حوش بنات ود العمدة – الفصل الثاني والعشرون والأخير

14 ديسمبر 2017آخر تحديث : منذ سنتين
حوش بنات ود العمدة – الفصل الثاني والعشرون والأخير
بقلم: سناء جعفر

عزلت رحمة نفسها في غرفة نومها وهي تتلهف لقراءة خطاب شقيقتها منذ ان سلمه اياها محمود ظهراً عند عودته من العمل .. وضعته في جيب قميصها وظلت تتحسسه كل دقيقة للتاكد من وجوده في مكانه .. كان صبرها يقل كل ما بدات في مهمة جديدة من مهامها المنزلية ..اخيراً وعندما تفرغت تماماً تربعت في منتصف سريرها وحملت الظرف الازرق ضمته الى صدرها واستنشقت رائحته بشوق … لقد اعتادت منال ان تضع لها بضع قطرات من عطرها المفضل داخل كل رسالة فترسل لها لمحة منها يبقى عبيرها لفترة طويلة .. بدأت القراءة الاولى التي كانت تتبعها عادة قراءت اخرى حتى تكاد تحفظ مواقع النقاط والفواصل المكتوبة بخط منال المنظم الانيق …

ستوكهلم 12 سبتمبر …

اختي الحبيبة رحمة .. قبل أي شئ خليني اقول ليك كل سنة وانتي طيبة .. وعقبال مية سنة من العمر المليان صحة وعافية يا رب … اتمنى جوابي دة يوصلك في نفس يوم عيد ميلادك .. ما تخافي طبعا حاضرب ليك تلفون لاني مشتاقة لصوتك وصوت العيال .. لكن رسلت ليك الجواب عشان عارفة هوسك في الاحتفاظ بجواباتي …

ابتسمت رحمة وهي تسترق نظرة خاطفة الى الصندوق الخشبي الصغير المطعم بالصدف وهو يحتل مكانه الاثير بجانب سريرها … كانت تحتفظ فيه بكل رسائل منال التي بدات ترسلها لها بعد مغادرتها البلاد منذ اربع سنوات لم تعد فيها الا مرة واحدة عند وفاة جدهم حامد ود العمدة الذي رحل بهدؤ اثناء نومه وعلى وجهه شبح ابتسامة غامضة .. لم تستطع اللحاق بمراسم الدفن التي تمت في القرية حيث دفن في قبر ملاصق لقبر زوجته الاخيرة امونة وطفلهما كما اوصى قبل موته بزمن طويل .. عند وصولها متعبة وحزينة بعد رحلتها الطويلة ارتفعت حرارة البكاء مرة اخرى .. وعندما احتضتنها بلقيس بعنف .. لاحظت رحمة الغمزات المتطايرة بين اهل والدتها المحتجين على سفر منال وبقاءها وحيدة في دولة اوربية .. لقد كانت حاضرة اثناء غالبية المشاحنات التي وقعت بين امها واهلها … كانت بلقيس تدافع بحرارة عن حق ابنتها في التعليم …

– منال من حقها تتعلم لغاية آخر درجة في التعليم ..انتو ليه عاوزني امنعها ؟؟ عشان هي بت ؟؟ وشنو يعني بت ؟؟ انا بتي مربياها كويس .. بثق فيها وفي اخلاقها وتصرفاتها .. شنو المشكلة انها تكون براها .. حتعمل حاجة غلط يعني ؟؟ طيب هي لو عاوزة تغلط وهي قاعدة هنا ومعاي في بيت واحد تفتكروا انا بقدر امنعها ؟؟ انتو عايشين وين ؟؟ زمن الرقابة حقت الاهل البسالوا البت ماشة وين وجاية من وين ومصاحبة منو دي انتهت زمان … الزمن الفينا دة الرقابة بقت الا من جوة البني آدم براهو .. والواحدة لو عاوزة تعمل شئ غلط لا ام ولا ابو ولا اخو ولا عم بيقدر يمسكها .. هسة البنات الحايمات هنا ديل ما قاعدات مع اهلن ؟؟ قدروا يمنعوهن ؟؟!! … حاول البعض من اهلهم تاليب الاب الغارق في ملذات حياته لمنع ابنته من السفر .. لكنه لم يهتم … خصوصا عندما علم بموافقة ود العمدة ومباركته لخطوة حفيدته التي اثلجت صدره بتفوقها في الحصول على الماجستير والدكتواره في زمن قياسي جعلها حديث النشرات الطبية نسبة لتخصصها الجراحي النادر … أحست رحمة بغصة في قلبها لابتعاد شقيقتها الوحيدة .. وكانت من اشد المعارضين لقرار سفرها .. لكن اصرار منال الشديد … وموافقة بلقيس المترددة التي حسمتها موافقة ود العمدة وحماسه الشديد للفكرة جعلها تصبح واقع خيم بظله الحزين على كل اهل البيت .. وخلال اقل من شهر كانت منال قد انهت كل اجراءتها … لم يثنها شئ لتاجيل مواعيد رحيلها .. حتى توسلات صديقتها الحميمة جاكلين للبقاء بضعة ايام فقط لحضور زواج جمال لم تجعلها تغير رائيها .. اعتذرت وتعللت بمطالبة الجامعة لها بالحضور في موعد محدد للحاق بالفصل الدراسي … خلال تلك الايام اصبحت رحمة تتبع منال كظلها وهي لا تكاد تصدق بانهما سوف تفترقان .. لكن تصرفات منال كانت تصيبها بالحيرة .. فقد بدأ وكأن شقيقتها تتهرب من البقاء مع افراد اسرتها وتفضل التغيب خارج المنزل لساعات طويلة بحجة تجهيز الاوراق اللازمة للسفر .. وحتى عندما تعود من مشاويرها التي لا تنتهي كانت تتظاهر بالتعب لتبقى وحيدة في غرفتها .. وتبكي …

كان حزن منال العميق يفزعها .. لقد اعتادتها مرحة حتى في اصعب الاوقات … لكنها خلال الشهر الاخير تحولت الى مخلوقة اخرى .. اختفت ضحكاتها وغابت ابتسامتها .. نحل جسدها وعافت نفسها رفقة احبابها .. لقد بذلت هي وامهما المستحيل لمعرفة اسباب حالتهاالغريبة .. لم تكلا من سؤالها … وكان جوابها مماثلاً في كل مرة .. وتذكرت رحمة آخر نقاش دار بينهما واثار مزيداً من القلق في نفسيهما …
– يا جماعة انا كويسة ما عندي حاجة .. بس الشغل كتير وانا مضغوطة شديد .. ما تقلقوا .. ايام وبتعدي …

– طيب يا بتي اخدي اجازة وارتاحي لغاية مواعيد سفرك ما تجي .. يعني انتي حتفضلي تساسقي كدة لغاية يوم السفر ولا شنو ؟؟!!…

– اجازة ؟؟ لا يا امي ما عاوزة اجازة .. مش بيقولوا الشغل الكتير هو احسن علاج للزول عشان ينسى همومو ؟؟ ..

– هموم ؟؟ وانتي هموم شنو العندك يا منال ؟؟ يا بتي الله يرضى عليك وريني مالك .. لو عندك مشكلة احكي لي .. مش انا طول عمري باتعامل معاك انتي واختك على اساس اننا صحبات ؟؟ وريني الحاصل عليك شنو … احكي لي مالك ..

– قلت ليكم مافي حاجة .. ما تكبّروا المواضيع ساكت .. انا كويسة .. العندي دة شوية ارهاق .. لكن انتي عارفاني يا امي انا بحب شغلي وما بلقي نفسي الا فيهو …

– طيب يا منال ما تفكري في العريس المتقدم ليك دة .. يا بتي الولد ممتاز .. ادي نفسك فرصة تعرفيهو وبعدين قرري ايوة ولا لا .. لكن ما منطق انك ترفضي طوالي كدة من غير حتى ما تعرفي اي حاجة عنو ..

– امي الله يخليك ما تعكننيني بسيرة العرس دي .. انا قلت ليكم من زمان ما بفكر في الموضوع دة هسة .. لمن يجي وقتو ..

– ووقتو دة حيجي متين انشاء الله ؟؟ حددي لي بعد كم شهر ولا كم سنة ؟؟ يا منال انتي كبرتي والقدرك كلهم عرسوا زمان واولادهم بقوا كبار .. وريني بس منتظرة شنو ؟؟ لو عندك زول معين في راسك كلميني بيهو .. وصدقيني مهما كان ما حنرفضو لاننا بنثق فيك وفي اختيارك …

ردت منال بمشاغبة اعادت اليهم جزء من صورتها القديمة …

– متاكدة يا امي ؟؟!! .. مهما كان حتوافقوا ؟؟!! اوعي بعدين تنطي من الكلام دة .. خليك شاهدة يا رحمة ..

بدت في عينيها نظرة جادة برغم صوتها المازح … وعندما رات علامات التوجس تتقمص ملامح امها انهت النقاش بضحكة حزينة تبعتها اثناء انسحابها مخلفة ورائها عشرات الاسئلة في راس الام المتحسرة … تذكرت رحمة اختفاء منال الغامض لعدة ساعات قبيل سفرها بيوم .. خرجت بصمت دون ان تخبر احدا عن مقصدها .. وعادت بحالة مزرية .. كانت ملابسها المجعدة الفضفاضة تنبئ عن كمية الوزن الذي فقدته خلال الفترة الماضية .. ارتمى شعرها المشعث وراء ظهرها باهمال .. بينما شعت عيناها المنتفختان بلون احمر وسط بشرة وجهها الشاحبة .. بهت الجميع لمرآها واكثرهم بلقيس التي اصابها الفزع على حال ابنتها .. فقد بدت كجثة تسير على قدمين .. وعندما حاولت ان تتبعها الى غرفتها التي دخلتها بشرود دون ان تلقي بالاً لافراد اسرتها المجتمعين بانتظارها .. ثبتها ود العمدة بحركة حازمة من عصاه …
– خليها يا بلقيس .. منال بتمر بظرف نفسي صعب ما تضغطي عليها … وهسة مافي أي زول يحاول يتكلم معاها .. خلوها لغاية ما تروق ..

– لكن يا ابوي ما شايف البت شكلها بقى كيف ؟؟!! هو سفرها دة في زول جابرها عليهو ؟؟!! مش براها المصرة وعاوزة تمشي ؟؟!! لو ما قادرة عليهو خلاص تخليو وتقعد تواصل تحضير هنا واهو عندها شغلها .. وتكون جنب الناس …

– لا يا بلقيس .. منال لازم تسافر …

اصيب الجميع بالاستغراب لرده الحاسم .. واندهشوا من حماسه واصراره على سفر حفيدته بعد توقعاتهم بان يكون اكبر رافض ومعارض للفكرة .. واصبح موقفه مبعث حيرة وتساؤل لدى افراد اسرته..
كانت رحمة تنتقل ما بين سطور الخطاب القابع في حجرها وذكرياتها التي تلغي الحاضر وتعود بها الى تلك الايام التعيسة التي اعقبت سفر منال .. لقد احست وكأن جزء من جسدها قد بتر ودخلت في كآبة عميقة جعلتها تهمل حتى زوجها وطفلها .. تحلى محمود بصبر فائق واصبح يعاملها برقة وحنان اكثر مما سبق حتى تغلبت على غياب توأم روحها وبدات تتعامل معه كامر واقع …لكن اذداد قلقها لانقطاع اخبار منال طيلة الاربعة اشهر الاولى .. لم يصلهم منها غير مكالمة يتيمة اخبرتهم فيها بوصولها بسلام واستقرارها في الجامعة .. ثم تبعها صمت تام جعل بلقيس تكاد تموت لولا مواساة ود العمدة الذي كان يتكلم عن منال بحزن غريب … عندما وصلتها اول رسالة بعد الانقطاع القاسي صارت ترياقاً لروحها المعذبة …

اكملت رحمة قراءة الخطاب .. اعادت ضمه الى صدرها .. مسحت دموعها التي ترافقها في قراءة كل رسالة .. ثم اخرجت الاقلام ومجموعة الاوراق من الدرج وبدات في كتابة رد طويل يحتوي على ادق التفاصيل والاحداث التي حدثت في حياتها وحياة اهل الحوش منذ الخطاب الاخير …

كانت استفاضتها في السرد مبعث راحة لمنال التي تربعت في منتصف السرير الضيق بغرفة استراحة الاطباء بمستشفى استوكهلم العام .. كانت تلتهم السطور بلهفة وهي تحس بالامتنان لشقيقتها التي لا تغفل شاردة ولا واردة بدون ان تذكرها لها مما جعلها تشعر بانها ما زالت هناك .. تعيش معهم وتشاركهم تفاصيل حياتهم .. خصوصا بعد الانعزال المتعمد الذي مارسته خلال الشهور الاولى لوصولها .. كانت بحاجة لان تقطع كل صلاتها بالسودان .. وكل شئ يذكرها بجمال … دق قلبها دقات متتالية عندما مر اسمه في خيالها … ما زالت ذكراه تحرك مشاعرها برغم مرور كل هذه السنوات على فراقهما … جمال هو الرجل الوحيد الذي ثملت بحبه منذ سنوات مراهقتها الاولى … الرجل الوحيد الذي استطاع ان يعزف اوتارها الصحيحة ويمتلك مفاتيح حواسها .. فهو لم يكن بالنسبة لها مجرد حبيب فقط .. كانت تحسه الاب الذى تخلى عنها .. والشقيق الذي لم تحظ به قط والصديق الذي يكمل جملتها الناقصة .. كانت تحس معه بامان لا حدود له ويمنحها وجوده سعادة مفرطة .. معه لم تكن تحتاج لكتير من الكلمات .. تكفيه نظرة ليفهم ما تريد .. لقد وصلا الى مرحلة من التفاهم النادر جعلتهما يؤمنان بان لا حياة لاحدهما دون الآخر … لذلك كانت صدمتها عنيفة عندما طلب منها ان تلتقيه في احدى الكفتريات الهادئة التي اعتادا على الجلوس فيها .. عندما راته قادماً من بعيد بدا لها وكانه انسان آخر بملامح مختلفة .. كان قد اختفى منذ ثلاثة ايام بعد ان اخبرها في اتصال تلفوني مقتضب بانه سيبقى في المستشفى لحالة طارئة ولن يستطيع التواصل معها..

– بسم الله يا جمال .. مالك شكلك عامل كدة ؟؟ .. انت عيان ولا حصل شنو في المستشفى ؟؟!! …

ولاول مرة في تاريخ علاقتهما بات الصمت ردا على سؤالها .. افزعتها نظراته الميتة التي تتفادى عينيها المتلهفتين لعناق عينيه … كما افزعتها الرائحة المنبعثة من جسده والتي دلت على عدم استحمامه منذ مدة .. لقد اعتادته نظيفاً .. انيقاً .. عطر الرائحة .. مرت عليها لحظات صمته كالدهر وبدا الخوف يتفاعل ويتصاعد بداخلها كالبركان .. كان القادم اسوأ مما تستطيع تحمله …

– منال .. انا ما كنت في المستشفى ولا عندي حالة طارئة زي ما قلت ليك … انا اختفيت لاني ما كنت قادر اواجهك ولا عارف اقول ليك الحقيقة .. لانو الحقيقة عاملة زي قصة من القصص الرخيصة البعملوها في المسلسلات … حاجة كدة اصعب من إنها تتصدق او الانسان يقدر يتعامل معاها … نوع من مفاجآت الحياة القاسية الممكن نتخيل تحصل للناس التانيين لكن ما تحصل لينا … سامحيني يا منال .. سامحيني لاني مضطرأخون عهدي القطعتو ليك وانهي أي حاجة بيناتنا لاني خلاص حاخطب واحدة قريبة طنط ايزيس الاسبوع الجاي .. والعرس حيكون بعد شهر ..

لم تستمع الى بقية كلماته بعد ان بدأ طنين حاد يدوي داخل اذنيها .. احست بكل ما حولها يدور ببطء كانه مشهد في فلم سينمائي .. وبدات الطاولات والمقاعد تلعب فوق راسها .. والجدران تقترب حتى اطبقت عليها … قطرات ماء باردة على وجهها جعلتها تستعيد قدرتها على الادراك بما حولها كان جمال واقفاً فوق راسها وهو يمسح وجهها بمنديله المبلل محاولاً اجبارها على احتساء جرعة ماء نفضت يده بعنف وهي تتمتم …

– انا اكيد بحلم .. مستحيل دة يكون حقيقي .. دة كابوس …

ارتمى جمال على كرسيه بتعب وخرج صوته مصبوغاً بمرارة موجعة ..

– منال ماما بتموت .. ما باقي ليها كتير .. سرطان في المعدة في مرحلة متقدمة ما بنفع معاها أي علاج …

شهقت منال بالم … كانت رجاء بالنسبة لها ام اخرى احبتها كما احبت بلقيس … لم يلتفت جمال لرد فعلها وواصل كلماته كانه يكلم نفسه …

– ما كانت بتشتكي من أي شئ .. زي عوايدها بتتالم بصمت .. كانت مفتكرة الموضوع بسيط .. القرحة قايمة عليها عشان ما ملتزمة بالاكل ولازم تطبخ بالسمن البلدي والشطة الخضرا .. او يمكن وجع معدة من كترت الحبوب البتبلعها .. قبل تلاتة يوم لقيتها في اوضتها بتبكي .. الالم شد عليها وبقت ما قادرة تتحمل .. شلتها جريت بها المستشفى وعملت ليها كل الفحوصات والتحاليل .. الدكتور قال اننا اكتشفنا المرض بعد فوات الاوان .. وانو خلاص مافي أي علاج حينفع بعد دة الا المسكنات … حاولت اغشها واقول ليها انو ما عندها حاجة وانها بتتدلع زي كل مرة .. لكن ما صدقتني واصرت ترجع البيت ورفضت تقعد في المستشفى … منال .. انا الايام الفاتت كنت بموت في كل لحظة وانا حاسي بالعجز قدام المها … لعنت شهاداتي وقرايتي الما قدرت استفيد منها عشان اخفف بيها عن اعز الناس .. وفي نفس الوقت ما قادر افضفض لزول حتى خالو وجاكلين ما قدرت اكلمهم خفت يبان عليهم وماما تحس ونفسيتها تتدهور زيادة … اول امبارح نادتني في اوضتها كان كلامها واضح شديد .. قالت لي انها عارفة انو اجلها خلاص قرب .. وانها ما خايفة من الموت بالعكس مبسوطة لانها ماشة لبابا وجانيت … لكن عندها طلب اخير لازم انفذو ليها عشان تمشي راضية وسعيدة .. اني اتزوج العروس الرشحتها لي طنط ايزيس .. قالت عاوزة تموت وهي مطمنة اني استقريت وعملت اسرة .. عارفة انا قعدت بعد كلامها دة ساعتين بالضبط احاول اقنعها انها تصرف نظر عن الموضوع .. اتحججت بكل الحجج الممكن تتخيليها … في النهاية لمن حسيت انها ما مقتنعة قربت احكي ليها عننا .. انا عارف هي بتحبك قدر شنو … بس مسكت روحي في آخر لحظة خفت كلامي يزيد مرضها … في النهاية قالت لي يا اما اوافق على العروس او حتخاصمني لغاية آخر يوم في عمرها .. وحتموت وهي غضبانة علي .. وكمان ما حتبلع الادوية ولا حتاكل ولا تشرب …

في الاول يا منال كنت قايلها بتهوش ساكت عشان انا اوافق .. وقلت اخليها كم يوم وانا متاكد انها حتنسى كلامها كلو ..لكن الحصل عكس توقعاتي .. اصرت على موقفها بصورة غريبة .. رفضت الاكل والشراب والحبوب المسكنة .. رفضت تتكلم معاي وبقت لمن ادخل عليها بتدور وشها الناحية التانية .. قعدت يومين من غير ما تاكل ولا تاخد علاج .. انا بقيت زي المجنون وما عارف اعمل شنو .. اتصلت بخالو وجاكلين وناديتهم يمكن يقنعوها تاكل وتبلع الادوية من غير ما اوريهم تفاصيل مرضها .. لكن عندت مع الكل ومافي أي زول قدر عليها .. بدا المها يزيد في كل لحظة عن التانية .. اتخيلي بس يا منال الحالة الانا كنت فيها .. ما كان قدامي أي خيار تاني غير اني اوافق على العروس عشان ترضى تاكل وتبلع الحبوب .. ما قدرت اقيف اتفرج عليها وانا شايف الالم بيقطعها بدون ما اعمل حاجة .. كنت مستعد اعمل أي حاجة في الدنيا عشان هي ترتاح .. دي ماما يا منال .. وانتي اكتر واحدة عارفة يعني شنو ماما بالنسبة لي …

ارتج جسده ببكاء مكبوت .. وتمردت دموعه فسالت بغزارة … هالها منظره .. والبؤس الذي يتقطر منه .. احست بعجزه وقلة حيلته .. لم تستطع تحمل رؤيته بهذه الحال …. فتمالكت نفسها .. وحاربت كل المشاعر التي تصطخب بداخلها … وخرج صوتها ثابتاً بشكل ادهشها هي شخصياً …

– بس يا جمال .. ما تنهار بالصورة دي … انا هسة خلاص بقيت فاهمة ومقدرة ظروفك عارفة انو القرار دة انت اخدتو غصباً عنك … دي امك الربتك وتعبت فيك لغاية ما بقيت راجل ودكتور مشهور .. ضحت بكل حاجة عشانك انت واخواتك .. ودة الوقت المفروض تردوا ليها جزء من العملتو ليكم … حتى انا ما برضى أي حاجة تحصل لخالتي رجاء بسببنا .. ولا بقدر اتحمل وزر الشئ دة .. ربنا اراد كدة حنعمل شنو ؟؟ دة قدرنا .. وما قدامنا غير اننا نقبلو..

كان لسانها يردد الكلمات الجوفاء بآلية بينما دواخلها تغلي بالرفض والاحتجاج الذي لم تجرؤ على اعلانه .. بدت ملامحها هادئة ولم يظهر فيها السواد الذي احتل روحها وصبغ عالمها بلونه الكئيب .. كان عزاؤها انه يتخلى عنها لاجل سبب نبيل .. لم يكن ما يفعله مجرد عذر للتملص من علاقتهما .. كانت واثقة من حبه لها ورغبته فيها .. لقد اثبت لها اخلاصه وصدق مشاعره بكل طريقة ممكنة طيلة السنوات الماضية .. ادركت صعوبة ما يحدث عليه .. لانها احست بكل ما يدور في اعماقه .. فقد كان يدور في اعماقها بنفس العنف والقسوة .. لكنها اختارت ان تتماسك … كان على احدهما ان يفعل …

– منال انا ما عارف كيف هعيش من غيرك !! كيف واحدة تانية تبقى مرتي ؟؟!! … حديها شنو ؟؟!! ما عندي شئ اديهو لاي انسانة تانية غيرك .. لاني اديتك كل احساس جواي من يوم ما عرفتك .. انا اتعلمت الحب على ايديك .. عرفت يعني شنو رغبة لمن بكون جنبك … شفت الدنيا بعيونك .. حسيتها باحساسك .. كنت حريص على مستقبلي عشانك وعشان اولادنا الجايين .. كنت بنوم عشان احلم بيك .. واصحى عشان اشوفك والاقيك … بقيت آكل الاكل البتحبيهو .. بامشي الحتت البتفضليها .. بالبس الهدوم البتعجبك .. باتعطر بالريحة البتختاريها لي .. كل ما ارفع يدي واعاين للساعة بتذكر انها هديتك لي يوم التخرج .. دة انا حتى اضافريني باقصها بالطريقة الانتي بتحبيها .. يلا وريني مفروض اعمل شنو عشان انسى دة كلو ؟؟!! .. وريني الطريقة البتخليني اعيش من غير ما اشوفك في كل زاوية من افكاري .. وريني كيف اقبل الواقع الاتفرض علي دة من غير ما اجن ؟؟!! …

عندما خرجت منال من الكافتريا كانت قد تحولت الى شخص آخر .. انطفأت كل الاشياء بداخلها .. لم يتبق من مشاعرها سوى رماد باهت .. ظلت تدور في الشوارع على غير هدى دون ان تحس بحركة البشر حولها .. لم تنم ليلتها .. ولا عدة ليال اخرى بعدها .. فقدت الاحساس بكل شئ حولها وفقدت الرغبة في كل شئ .. عافت نفسها الاكل والكلام حتى عملها .. اعتكفت في غرفتها وادّعت المرض حتى تبرر حالتها الغريبة ..

وفي اليوم الذي حضرت فيه جاكلين بانفاس لاهثة كي تدعوهم لحفل خطبة جمال .. زارها جدها في غرفتها لاول مرة .. جلس في طرف السرير المقابل لها .. ثبت راسه على كفتي يديه المتكئتين على عصاه .. تفحصتها نظراته بالم .. وادراك …

– منال .. انتي مش كنتي مرة لمحتي لي انو الجامعة عرضت عليك منحة تحضير في السويد وانا رفضت ؟؟

رفعت راسها بدهشة ونظرت الى العجوز الهادئ … احست بنظراته تغوص عميقاً داخل روحها وتفضح اسرارها .. لم تتكلم .. نزلت ببطء من سريرها .. جلست ارضاً تحت قدميه ووضعت راسها على حجره وبكت .. لم يقاطع نحيبها الذي طال .. وظلت يداه تربتان على راسها وكتفيها بحنان وتفهم حتى توقفت اهتزازات جسدها وهدأت انفاسها …

– انا موافق تسافري يا منال .. ومتاكد انو السفر حيفيدك في حاجات كتيرة .. عاوزك من بكرة تمشي الجامعة وتبدي تجهزي اوراقك .. عندك مبلغ مفتوح .. أي حاجة عاوزاها اعمليها .. ولغاية نهاية الشهر عاوزك تكوني خلصتي كل شئ وسافرتي …

قفز قلبها قفزات متتالية وتحاومت الشكوك حول راسها .. هل يعرف جدها شيئاً عن علاقتها بجمال ؟؟!! لماذا زارها اليوم تحديداً ؟؟ ولماذا يصر على سفرها قبل زواج جمال الذي حدد له بداية الشهر الجديد ؟؟ لم تجرؤ على سؤاله .. واكتفت بالضؤ الاخضر الذي فتحه لها لتهرب من مكان لم يعد يسعها .. واصبحت فكرة السفر هي ما يربطها بالحياة .. ركزت كل تفكيرها في انهاء اجراءتها والمغادرة قبل اليوم الذي سيصبح فيه جمال رسميا ملكا لامراة اخرى غيرها .. لم تكن ستحتمل رؤيته مع اخرى .. وساعدتها اعضائها عندما اصيبت فعلياً بالمرض يوم حفل خطبته وارتفعت حرارتها الى درجة مخيفة وكادت تستفرغ احشائها عندما انتهت سوائل جسدها في سيل لا ينقطع من القئ .. اصر جدها على ذهاب الجميع الى الكنيسة لمجاملة رجاء .. وبقى هو معها يحيطها برعايته بصمت يحمل الكثير من الاسرار .. كانت ممتنة له الى ابعد الحدود واذدادت له احتراماً وحباً خصوصاً بعد ان تحول شكها في علمه بمشاعرها تجاه جمال الى يقين دون ان يطالبها باي شرح او تفسير …

كانت قد حرصت على تجنب حدوث أي مصادفة تجمعها بجمال بعد اعلان خطبته .. لم تكن تثق برد فعل حواسها ان راته امامها .. وبرغم ذلك ظلت اخباره تصلها من تعليقات اهل الحوش المتناثرة ..

– انتو يا جماعة ما ملاحظين جمال ولد خالتي رجاء دة اتغير كيف ؟؟!! بقى ضعيف زي القشة ومبهدل وما مهتمي بروحو زي زمان …

– آي والله كلامك صح .. وكمان بقى دمو تقيل لا بضحك ولا بتونس وطوااالي صاري وشو زي الكانو شايل هموم الدنيا فوق راسو …

– دة كلو كوم ويوم خطوبتو كوم براهو … الناس كلها علقت على شكلو .. الولد تقول ماشي في جنازة ؟؟ حزين وواقف بعيد من العروس زي الما عاوزها …

– يختي موضوع العرس دة فيهو إنّة .. لانو واحد من العيال قال لي كانوا بيفتشوا على الحمام .. قاموا مشوا ورا الكنيسة .. شافوهوا واقف هناك براهو ببكي زي الشفع الصغار .. يا ربي هو ما عاوز العروس دي ومجبور عليها ولا شنو ؟؟!! …

كانت هذه التعليقات تزيدها اصراراً على تجنبه .. فرؤيتها له بهذه الحالة قد تهدم كل الحواجز التي استماتت في بنائها داخل قلبها وعقلها طيلة الفترة الماضية …لذلك ظلت يومياَ تراقب منزلهم بحرص تحيناً لفرصة اختفاء سيارته من امام الباب حتى تستطيع توديع رجاء قبل رحيلها الذي آن اوانه .. حصلت على مبتغاها قبل سفرها بيومين فسارعت الى منزلهم باستعجال مخافة رجوعه قبل انصرافها …التمست له كل الاعذار عندما رات رجاء التي اصبحت شبحا هزيلاً وبالكاد استطاعت رفع يدها لترد تحية منال التي احتضنتها بشدة واغروقت عيناها بالدموع وهي تستمع الى صوتها الواهن ..

– معقولة يا منال ؟؟!! .. صحي الكلام السمعتو دة ؟؟ حتخلي البلد وتمشي ؟؟!! هان عليك يا بت تخلينا وتخلي امك واختك وكل حبايبك وتمشي آخر الدنيا ؟؟!! ليه يعني ؟؟ هنا مافي تحضير ؟؟!! وكمان ما عاوزة تأجلي سفرك اسبوع بس عشان تحضري عرس جمال ؟؟ الخطوبة كنتي عيانة ما زعلت منك لمن ما جيتي …. لكن هسة بالجد زعلانة منك ..

– عليك الله ما تزعلي مني يا خالتي رجاء .. انتي عارفاني ما بتحمل زعلك .. لكن اعمل شنو الظروف جات كدة .. لازم اكون هناك في تاريخ محدد وما بقدر اتاخر عليهم ولا يوم واحد .. انتي عارفة الخواجات ديل دقيقين شديد في مسالة المواعيد .. جمال ربنا يوفقو ويسعدو ويديك انتي الصحة والعافية عشان تشيلي اولادو وتفرحي بيهم ..

– أولادو ؟؟ يا بتي مين يعيش ؟؟ .. انا بس الله يديني عمر احضر عرسو واطمن عليهو قبل ما امشي .. صدقيني يا منال انا عارفة اني جبرتو على العروسة دي وهو ما عاوزها .. لكن بكرة حيفهم انا عملت كدة ليه وحيسامحني .. هسة خلينا من الكلام دة كلو .. ما تغيري رايك يا بت وتقعدي تحضري العرس وتبقي شبينة مع جاكلين … وحياتي يا منال لو بتعزيني اجلي سفرك اسبوع …

كانت كلمات رجاء تنغرز في روحها كسكين من نار تشعل وجعها وتحيل دواخلها الى غابة من اللهب … تملصت من الالحاح بلباقة .. وكانت لحظات الوداع مؤلمة .. ارتفع صوت نحيب منال ورجاء حتى طغى على صراخ جانيت الصغيرة الخائفة من جو الحزن الثقيل المسيطر على الجميع .. جرّت منال قدميها بتعب الى الخارج .. وعندما وصلت الى منتصف المسافة بين المنزل والباب الخارجي احست بوجود جمال قبل ان تراه .. اصيبت بالذعر وبدات تتلفت بحثا عن مكان تختبئ فيه .. عندما فتح جمال الباب وجدها مسمرة في مكانها وراسها يدور بيأس فتسمر هو الآخر .. لم تدر منال لكم من الوقت ظلا واقفين هل هي ثوان .. ام دقائق .. او ربما ساعات .. كان الصمت بينهما مشحوناً بالآف الكلمات .. وتحررا اخيرا من اسره على صوت فرامل سيارة مسرعة في الشارع … تقدم جمال نحوها ببطء ماداً يده .. التقطتها بلهفة وهي تحاول ان تسيطر على رعشتها .. وخرج صوتها همساً ..

– اهلاً يا جمال .. معليش ما قدرت اجي خطوبتك .. مبرو….

– لا يا منال .. اوعي تقوليها .. اوعي تباركي لي .. انتي بالذات ما حستحمل اسمعها منك … وبعدين في زول بيباركو ليهو حكم اعدامو ؟؟ عاوز اسالك سؤال وجاوبيني عليهو بصراحة .. ليه بتتجنبيني يا منال ؟؟ ليه قسيتي علي كدة وحرمتيني من شوفتك ؟؟!! حتى الحقنة الكنتي بتديها لماما وانا كنت مأمل انها تبقى سبب عشان ما تغيبي عني اعتذرتي عنها !! .. انا يوميا بفتش عليك .. في الشارع .. في الكلية .. حتى المستشفى مشيت سالت عنك وعرفت انك قبلتي المنحة بتاعت السويد ومسافرة قريب .. كنتي حتسافري من غير ما تكلميني ؟؟!! من غير ما تودعيني ؟؟!! .. معقولة يا منال ؟؟ قلبك قسى للدرجة دي ؟؟!! ..

– حرام عليك يا جمال .. كفاية اسكت.. انت ما عارف كلامك دة بيعمل فيني شنو .. ما عارف انا عملت شنو عشان امنع نفسك من شوفتك وملاقاتك .. كنت متخيلة انك حتفهم اني عملت كدة عشانا احنا الاتنين .. كان لازم ابعد عنك باي طريقة .. ملاقاتنا لبعض ما كان حيكون عندها معنى غير العذاب لينا الاتنين .. عذاب ما حنقدر نتحملو .. واهو كل واحد فينا بدا مرحلة جديدة من حياتو ولازم يمشي فيها .. انا بصراحة ما كنت ناوية اودعك .. لكن طالما لاقيتك حقول ليك مع السلامة لاني مسافرة بعد بكرة …

– بعد بكرة ؟؟!! بعد بكرة يا منال وما كنتي عاوزة تودعيني .. ما كنت هتخليني اشوفك قبل ما تختفي من حياتي لفترة ما يعلم بيها الا ربنا ؟؟ يا الله يا منال .. دة كتير .. كتير علي شديد .. شوفي لازم الاقيك بكرة .. ما تهزي راسك ولا تقولي لا .. دة حقي عندك .. حق العشرين سنة البنحب فيهم بعض .. حق الذكريات الفاتت .. وحق العمر الجاي بدونك .. لازم يا منال .. اديني ساعة واحدة بس .. ساعة تبقى لي ذكرى اعيش عليها ارجوك ما ترفضي …

عندما اندست داخل سيارته في اليوم التالي كانت موقنة بان موافقتها على لقائه غلطة ستندم عليها فيما بعد .. ظلت صامتة طيلة الطريق ولم تساله حتى الى اين يأخذها .. اندهشت عندما توقف امام بناية ما زالت قيد الانشاء في احدى الضواحي الجديدة الهادئة .. نزلت بتردد سرعان ما اختفى عندما رات نظرة لوم جريح في عيني جمال .. مد لها يده وهو يقودها بحرص بين بقايا الخشب والطوب والاسمنت .. خرجت همسة احتجاج من بين شفتيها عندما اخرج من جيب قميصه مفتاح صغير ادخله في باب الشقة الارضية …

– جمال ؟؟!! …

– منال .. انتي لسة بتثقي فيني ؟؟!! .. عارفة يعني شنو منال بالنسبة لجمال ؟؟!!

– ايوة ..

– طيب ادخلي ..

وجدت امامها صالة فسيحة بنوافذ زجاجية عريضة وطليت جدرانها باللون الزهري الفاتح .. لونها المفضل .. كانت خالية من الاثاث الا كنبة طويلة امامها جهاز تلفزيون صغير .. تجولت نظراتها بتساؤل بين وجه جمال والمكان …

– دي شقتك يا منال .. كانت حتكون هديتي ليك يوم عرسنا .. كنت عاملها ليك مفاجأة .. اول ما وضعي المادي بدأ يتحسن فكرت اجيب ليك هدية تفضل ليك العمر كلو .. قريبي مقاول عرضها علي واشتريتها منو بالتقسيط .. وسجلتها باسمك .. وحتفضل حقتك برغم الحصل .. على الاقل حتكون الحاجة الوحيدة القدرت اديها ليك فعلاً .. ضربت الحيط بالوانك المفضلة …. كنت بجي هنا يوميا تقريباً عشان اشرف على الشغل والتشطيب .. وكنت بفكر حتى لمن نطلع برة نأجرها وتبقى لينا استثمار كويس جوة السودان .. هسة ما عارف اعمل فيها شنو .. انتي قرري دي شقتك ملكك .. شوفي عاوزاني اعمل فيها شنو لغاية ما ترجعي وتستلميها .

انفجرت منال في عاصفة بكاء هستيري اخافت جمال … هرع اليها واحتضنها بقوة محاولاً ان يسيطر على ارتعاشات جسدها النحيل .. قاد خطواتها العمياء بحرص حتى اوصلها الى الكنبة فجلس واجلسها في حجره ودفنت راسها في صدره .. تسللت يده وانتزعت ربطة شعرها لتحرره شلالاً يتصادم وراء ظهرها … كان يهمس في اذنها بكل عبارات الحب التي تعلمها لاجلها … وعندما هدات قليلاً استلقى على ظهره وهي ما زالت سجينة ذراعيه واستقر جسدها اعلى جسده حتى لم تعد هناك أي مسافة تفصل بينهما .. تمسك بها بشدة .. وتعلقت به بيأس .. كانت يداه تجوب ظهرها المتشنج ثم ترتفع لتغوص عميقاً في خصلات شعرها المبعثر حتى هدأت تماماً واصبح نحيبها انات متقطعة .. ظلا على هذا الوضع لفترة طويلة لم يحاول فيها ان يحصل على اكثر مما هو بين يديه .. كانا صامتين كان لم يعد هناك ما يقال .. لحظتها تمنت منال لو بقيت على هذا الوضع حتى نهاية عمرها .. تمنت لو يتوقف الزمن .. تمنت لو تموت وهي بين ذراعيه ..

عندما انتبها لمرور الوقت .. كانت قد مضت ساعات على حضورهما .. انزعجت منال وهبت من رقدتها الآمنة لتحس فوراً بالفراغ والوحشة … وبرد يخترق عظامها .. دمعت عيناها مرة اخرى عندما ادركت بانه هذا سيكون مصيرها حتى آخر العمر .. ترافقا بصمت حتى الباب … وقبل ان يدير جمال المفتاح التفت اليها وفاجأها بقبلة جائعة .. حاولت التملص منه في البداية .. ثم استسلمت لطوفان مشاعرها وبادلته قبلته باخرى اعمق منها .. احست بانها تمتص جزء من روحه لتحجزه داخلها .. وتمنحه جزء منها ليبقى داخله .. عندما انفصلا كانت الدموع تملا وجهيهما .. لازمهما الصمت حتى نزلت منال من السيارة في مكان بعيد من منزلهم .. اغلقت الباب خلفها وركضت بعيداً دون ان تلقي نظرة اخرى عليه .. ودون ان تهتم لمنظر شعرها المشعث وملابسها المجعدة وعينيها الحمراوتين …

عندما وصلت منال الى منفاها الاختياري .. دفنت همومها في رفوف المكتبات وبين صفحات الكتب .. رفضت ببرود أي علاقة اجتماعية عرضت عليها .. واصبحت مشهورة بوحدتها .. وتفوقها .. انجزت الماجستير في اقل من الوقت المحدد لها بكثير .. وتبعته بالدكتوراه .. اصبحت شبه مقيمة في المستشفى ولا تعود الى شقتها الصغير الانيقة الا نادراً … كانت اخبار جمال تاتيها من ضمن التفاصيل الاخرى في خطابات رحمة .. ما زال نجمه يصعد في مجال تخصصه واصبح مرجعا يستعان به في الحالات الصعبة برغم صغر سنه وحداثة خبرته .. اصر على الاقامة بمنزلهم ورفض ان ينتقل بعد وفاة والدته التي رحلت عقب زواجه بشهرين … انجبت له زوجته ابنتين .. رجاء ومنال … احست بسعادة خفية لعلمها بانه منح اسمها لاحدى ابنتيه .. كانت تشعر بالفخر كلما سمعت اخبار نجاحه من جاكلين التي ظل تواصلها معها مستمراً وحميماً .. وصريحاً …. لدرجة انها كتبت ليها في احد خطاباتها التي كانت تنافس فيها رحمة في ذكر التفاصيل ..

” عارفة يا منال الدنيا دي ما فيها عدل .. لو فيها عدل بالجد ما كانت جانيت اتقتلت بالطريقة البشعة دي .. ولا كانت اعز صاحبة لي في الدنيا سافرت وخلتني براي .. ولا جمال فقدك لاسباب انتو الاتنين ما ليكم يد فيها .. عارفاك حتستغربي لكلامي دة .. لانو دي اول مرة اوريك اني عارفة الشئ الكان بينكم .. انا عارفة من زمان …. بديت اشك انو في شئ بينكم ايام عرس رحمة .. وكنت بدعي ربنا ليل نهار انو شكوكي تطلع غلط عشان عارفة استحالة أي ارتباط .. مش عشان اختلاف الدين وبس .. عشان حاجات كتيرة تانية .. لكن كل ما يمر يوم كنت بتأكد من شكوكي .. حبكم لبعض كان واضح زي الشمس .. انا مستغربة كيف الكل ما حس بيكم ؟؟ يمكن عشان مستبعدين الشئ دة ؟؟!! او يمكن انا حسيت لاني قريبة منكم انتو الاتنين ؟؟!! .. انتو كنتو شاطرين وعرفتو تدسوا مشاعركم ورا ستاير الجيرة والصداقة وزمالة الجامعة .. لكن انا كنت بلاحظ اخوي لمن يشوفك بيحصل ليهو شنو .. كنت براقبو اول ما انتي تجي داخلة .. بيتحول لكتلة سعادة ماشة على رجلين …. ولمن تمشي ببقى زي البالونة النفستي منها الهوا … ما كان شايف بت غيرك .. ولا قادر يحس باي واحدة تانية مهما كانت جميلة .. ياما بنات من جماعتنا رموا نفسهم عليهو .. ياما امهات لمحوا ليهو بالكلام عشان يجي ياخد بناتهم .. وهو في عالم تاني .. في عالمك انتي يا منال .. صدقيني اشقفت عليكم من مشاعركم دي .. وكل ما اجي اسالك اخاف واتراجع عشان ما تقولي ايوة .. لكن الحصل ليك انتي وجمال لمن ماما اجبرتو على موضوع الخطوبة قطع كل الشكوك جواي .. خلاني اتاكد .. خلاني احزن شديد من النتايج .. انتي خليتي البلد وهربتي .. وجمال عايش حياة زوجية تعيسة مع انسانة ما بربطو بيها غير الواجب والعيال .. طول الوقت دافن نفسو في شغلو ما بين العيادة والمستشفى .. وطول الوقت بيسالني منك ومن اخبارك .. اما مرتو المسكينة بتشتكي بانها ما لاقيهو .. لا بقعد معاها ولا بتكلم معاها الا في طلبات البيت والعيال وبتشتكي كمان انو بيفرق في المعاملة بين البنات .. بيعامل منال بطريقة مميزة شديد .. والفترة القصيرة البيكون قاعدها في البيت بيكون شايلها في حضنو .. وحتى لمن يجي ينوم بيختها بينهم في السرير ” …

علمها بتعاسة جمال عمق جراحها وزادها تصميماً على البقاء بعيداً عن وطنها حتى اثناء الاجازات الشحيحة التي كانت ترفضها وتفضل عليها التطوع والبقاء في المستشفى .. كانت اجراءات حصولها على الجواز السويدي تسير بخطى حثيثة .. وسوف ترسل لامها وشقيقتها واطفالها دعوة لزيارتها ما ان تتمكن من ذلك ..

– دكتور عبد العظيم .. مطلوبة في غرفة الجراحة رقم (7) .. دكتور عبد العظيم …

ابتسمت منال وهي تستمع الى اسمها ينطق بطريقة غريبة من خلال الميكرفون الداخلي .. طوت الرسالة بحرص ووضعتها في جيب البنطلون الاخضر الباهت .. شدت القميص واعادت لف السماعة الطبية حول عنقها .. رسمت على وجهها ابتسامة مهنية محترفة تبعث على الاطمئنان وهي تغادر الغرفة وعبارات جدها التي اعطاها لها زاداً قبيل مغادرتها ترن في اذنيها ..

– يا منال يا بتي الحياة دي غريبة .. بتحب تعاند معانا .. بتديك الشئ الما عاوزو .. وبتشيل منك اكتر شئ انت بتتمنى تاخدو … احياناً بعد زمن بتحن علينا وبتدينا .. واحياناً ما بتدينا خالص.. عشان تقدري تعيشي .. اتعلمي تشيلي البتديك ليهو وانتي شاكرة .. واوعك تحاولي تقالعيها في البتشيلو منك .. لانك لو قالعتيها حتعاند معاك زيادة .. وحتدخلي في دوامة ما بنتهي من الحزن والتعاسة … اسأليني انا يا منال .. واسمعي نصيحتي .. اقبلي العندك .. واحمدي ربك عليهو ..

اصبحت تستحضر نصيحة جدها الثمينة كلما ضاقت بها نفسها .. لم تعد تطلب اكثر مما لديها .. لقد اخذت ما اعطته لها الحياة وفي اعماقها امل ضعيف بانه يوم ما .. ربما تقرر ان تمنحها السعادة التي حرمتها منها … ربما تقرر ان تصبح عادلة معها …

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.