حوش بنات ود العمدة – الفصل الحادي والعشرون

14 ديسمبر 2017آخر تحديث : منذ 3 سنوات
حوش بنات ود العمدة – الفصل الحادي والعشرون
بقلم: سناء جعفر

انكسرت حدة الحرارة قليلاً عندما بدأت الشمس تميل نحو المغيب .. تمددت ظلال الاشجار بجمود .. وخلق انعدام الهواء جواً خانقاً .. انه احد ايام الصيف النموذجية .. تعالى صراخ الاطفال وهم يعبثون تحت زخات المياه المتدفقة من ( خرطوش ) البلاستيك الطويل الذي امسكه حامد بين يديه محاولاً ان يدعّي الصرامة مع صغار الحوش المتحلقين حوله كل يحاول التقاط نصيبه من القطرات الباردة .. جلس حامد ود العمدة هادئاً يتامل احفاده بفخر .. واتسعت ابتسامته وباتت اكثر حنواً عندما التقت عيناه بعيني حفيده الذي يحمل اسمه .. كان اول حفيد ذكر في عائلته .. وقد احبه منذ اول لحظة وضعه فيها عمار بين يديه ..
– امسك حامد الصغير اذن ليهو في اضنينو يا عمي ..

اغرورقت عيناه عندما فرغ من ترديد الاذان في اذني حفيده ووضع اصبعه داخل الكف الصغير فتحركت الاصابع الطرية بنعومة .. وحبس شهقة دهشة عندما فتح سميه عينان تنافسان عينيه في اللون والشبه … لقد كان نسخة طبق الاصل من طفله الذي غادر الحياة مبكراً … وراوده احساس بانه يعيش لحظة مكررة عاشها سابقاً عندما وضعت امونة ابنه بين ذراعيه للمرة الاولى … احتج على قرار عمار واميرة بتسمية المولود تيمناً به ..

– يا اولاد اختاروا ليكم اسم تاني … حامد دة بقى موضة قديمة وبكرة الولد يكبر ويزعل انكم سميتوهو بيهو …

– يا ابوي بكرة حامد لمن يكبر حيشكرنا لاننا اديناهو اسمك .. اريتو يطلع بشبهك في حاجاتك كلها مش الاسم وبس ..

– يا بتي يمكن راجلك عندو راي تاني ولا عاوز يسميهو على ابوهو ..

– عم حامد .. انا مصّر اكتر من اميرة انو الولد يشيل اسمك .. كفاية انو وقفتك معانا هي كانت سبب جيتو للدنيا ..

حمل حامد اسم جده وملامحه .. وبرغم امتلاء المنزل بالاحفاد على مر السنين .. الا ان سميه ظل المفضل عنده ..

تشربت الارض العطشى بالرزاز المتساقط عليها بامتنان وتنفست ارتوائها فعبق الجو برائحة التراب المبلل التي اختطلت برائحة شباك الصيد والسمك والرطوبة القادمة من النيل …

– حامد .. خلاص كفاية رش .. امشي لحبوبة نعمات خليها تجيب الشاي وشوف ابوك وين عشان يجي يشرب معاي ..

امتثل ابن العاشرة لاوامر جده بطاعة فاغلق صنبور المياه باحكام دون ان يبالي بصيحات خيبة الامل الصادرة من جيش الاطفال المحتج على انقطاع مصدر لهوه … كان حامد يراقب احفاده بنوع من الرضا الممزوج بحزن غامض اصبح جزء منه .. لقد اكسبته الحياة كثير من الخبرات .. وعلمته كيفية التصالح مع كل شئ فيها فتجاوز مشاعر الندم والخوف والالم .. لكنه لم يستطع ابداً تجاوز الحزن المزروع بداخله كنبتة لعينة كلما حاول اقتلاعها ناورته وثبتت جذورها اكثر في اعماقه كان احيانا يحاول فلسفة اسباب احساسه والتعامل معه كناتج طبيعي لاحداث حياته الطويلة التي توقف عن عدّ سنواتها منذ وفاة السرة قبل احدى عشرة عاماً … لقد ادهشه الترنح والضياع الذي انتأبه بعد رحيلها .. احس كانه فقد هويته وجزء من ذاكرته التي كانت تعيش بداخلها .. ثم اكتشف ان غيابها قد فصم كل عرى التواصل بينه وبين ماضيه .. فقد كانت السرة حاضرة بقوة منذ طفولته وصباه حتى تجارب نضجه المؤلمة .. ووجودها في حياته كان الجسر الذي يربط بينه وبين ذلك الماضي البعيد .. بعد رحيلها ضعفت علاقته بمن تبقى من اهله في القرية الى حد كبير … لدرجة انه لم يطا ارضها منذ خمس سنوات كاملة … كانت آخر زيارة قام بها بعد وفاة هادية … ابنته الصغيرة التي رحلت بعد معاناة قاسية مع جملة من الامراض استسلم الطب امام جبروتها فغادرت مخلفة وراءها جرحاً غائراً في قلب نعمات .. واحساس دائم بالذنب في قلبه جعله يعاني من الكوابيس لدرجة بات يخاف النوم حتى لا ياتيه طيفها الغاضب بنظراته اللائمة المتهمة ويجعله يهب مفزوعاً ليذهب الى قبرها ويجلس ساعات طويلة يقرأ لها القرآن ويطالبها بالسماح على اهماله غير المتعمد اثناء حياتها … ويبكي ..

– الشاي يا حاج حامد …

رفع راسه ونظر الى نعمات بابتسامة لا تشي بشئ مما يدور في أعماقه .. بادلته الابتسام بملامح نقية زادها وضوحاً الطرحة البيضاء التي تلتف بوقار حول وجهها الاسمر .. كانت تبدو اصغر من عمرها الحقيقي ويشع من ملامحها سلام غامض .. لقد كادت وفاة هادية ان تذهب بعقلها .. واصبح حزنها على ابنتها حديث المجتمع .. اعتزلت الناس و لبست السواد من راسها حتى قدميها …امتنعت عن ارتداء الاحذية وصارت تتجول حافية حتى لو اجبرتها الظروف على الخروج من منزلها الذي اصبح سجنها الاختياري .. تحول شعرها الفاحم الى كتلة بيضاء ولم تنقطع دموعها لشهور .. كان يقف عاجزا امام احزانها ويكبله احساسه بالتقصير .. لم يكن يدري ماذا يفعل حتى اتاه شقيقها المهموم باحوالها ..

– انت يا حامد ما شايف عمايل نعمات دي ؟؟ ياخي البتسوي فيهو دة كفر عديل والعياذ بالله .. اتكلم معاها .. خليها على الاقل تلبس ليها حاجة في رجلينها لمن تجي طالعة .. ياخي الناس اكلت لحمنا بتصرفاتها دي ..

– والله اتكلمت معاها لمن لساني نشف .. والناس كلها اتكلمت معاها بدون فايدة .. انا خلاص بقيت ما عارف اعمل ليها شنو …

– وديها الحج .. هي اصلا ما حجت قبل قبل كدة .. واهو الموسم باقي ليهو اقل من شهر وديها يمكن زيارة بيت الله تخليها تتصبر شوية ..

عادت نعمات بعد اداء فريضة الحج وقد بدت شبيهة بتلك المراة التي كانتها منذ زمن بعيد .. لم يعد احد يلاحظ حزنها الا بالتمعن في عينيها الواسعتين أو عندما تتلبسها حالات شرودها المفاجئ …
– اقعدي يا نعمات اشربي معاي الشاي .. وين عمار ؟؟ ..

– جاي .. بس مستني اميرة تطلع من الحمام عشان تمسك البت ..

– طيب كبي خلينا نشرب وهو يجي براحته …

جلسا يحتسيان الشاي في صمت .. لم يعودا بحاجة الى الكثير من الكلمات .. لقد اصبحت حياتهما هادئة وتسير بنعومة .. اصبحا كصديقين تشاركا الكثير من تجارب الحياة السعيدة والتعيسة فربطت بينهما الفة واحتياج للرفقة دون غيرها من الاشياء .. لقد عاد الى بيتها بعد وفاة السرة .. احس بوحدة غريبة اخافته وجعلته يلتمس وجودها .. لم يتشاركا السرير .. فهو لم يكن بحاجة الى علاقة جسدية حميمة بقدر احتياجه لوجود كائن حي يتنفس قربه ويشعره بالحياة .. واكتفت هي بهذه الرفقة المنقوصة ولم تطالبه بالمزيد .. فمجرد وجوده قريبا منها الى هذا الحد حلم بعيد المنال تحقق بعد طول انتظار .. كانت نعمات تحمل كوبها بيد وترشف منه على مهل .. بينما انشغلت يدها الاخرى بعد حبات مسبحتها الصغيرة التي لم تفارقها منذ عودتها من الحج .. سرحت في اصوات الاطفال اللاهين في عالمهم .. كانو مختلفي السحنات والاعمار تجمعهم الشقاوة والعبث الطفولي .. ابتسمت لرؤية ولدي اميرة وابنة نادية التي ستبلغ الرابعة بعد ايام … غامت افكارها عندما تذكرت تلك السنوات العجاف التي ناصبتها فيها ابنتها العداء .. كانت تتعمد تعذيبها برفضها الزواج والعمر يتقدم بها وفتيات الحوش يتزوجن واحدة تلو الاخرى … كانت ترفض بلا ترو او نقاش .. فاندهش حامد من عناد ابنته الغريب والح على نعمات في السؤال لمعرفة الاسباب .. اخبرته باختصار شديد عن رفضها للعلاقة بين ابنتها وزميلها .. ذكرت الاسباب دون ان تخوض في التفاصيل .. يومها هنأها حامد على حكمتها في معالجة الامر دون ان يدرك سر الابتسامة الساخرة المتالمة التي ارتسمت على شفتيها .. لقد كان مرض هادية هو المعول الذي هدم جدار الصخر بينهما .. ففي احدى الصباحات الخريفية اتجهت نعمات الى غرفة ابنتها الصغرى لتزورها كما تفعل كل يوم بعد ان رفضت الخروج منها الا لشن غارة على المطبخ والتهام كل ما يقع تحت يدها من طعام .. اصبحت تصاب بنوبات هياج هستيرية اذا ما حاول احدهم منعها .. فوقفوا جميعاً يراقبون بالم جسدها وهو يتحول الى كتل شحمية قبيحة زادت من كآبتها وانعزالها .. وشراهتها ..

عندما فتحت الباب بعد طرقات خفيفة .. فوجئت بجسد هادية الضخم مسجي ارضاً ويسد الطريق .. كانت ساكنة الحركة ومن بين شفتيها المنفرجتين يخرج صفير متقطع بينما ابتل قمصيها القطني الفضفاض بالعرق .. اندفعت نادية الى الغرفة مذعورة اثر صرخات نعمات التى عكرت صفو الصباح .. تسمرت عندما رات منظر شقيقتها .. ثم بدات تشارك امها بالصراخ …

اثناء ساعات الانتظار الطويلة خارج غرفة العناية المكثفة بدات رحلة ذوبان الجليد بين نعمات المنهارة ونادية الخائفة .. لقد تشبثت كل منهما بالاخرى في يأس .. واصبحت نادية تهتم بمواعيد ادوية والدتها .. وتجبرها على تناول الطعام .. تصر على عودتها للمنزل حتى تنال قسطاً من الراحة بينما تتبادل هي واميرة البقاء بجانب هادية الغائبة عن الوعي .. احست نعمات بالسعادة والامتنان لابنتها عندما دافعت عنها باستماتة وتصدت للطبيبة الغاضبة التي وقفت تصرخ في وجهها بعنف ..

– كيف تخلي بت في السن دة توصل لوزن مخيف زي دة ؟؟ كنتي وين من يوم ما بدا وزنها يزيد ؟؟ انتي ما عايشة معاها في نفس البيت ؟؟ ما كنت بتشوفيها لمن تاكل ؟؟ تاكدي انو الوضع الفيهو بتك دة حصل نتيجة لاهمالك .. دي لسة طفلة … كيف تدخل في غيبوبة سكري ويكون ضغطها في السما ويجيها ضعف في عضلات القلب وقصور في الكلى والكبد ؟؟!! حتى لو حصلت معجزة وقدرنا نعالج ديل كلهم حيكون نظرها خلاص انتهى وحتعمى لانو ارتفاع السكري الشديد فجر كل الاوعية الدموية في عيونها ..

عندما رات نادية شحوب وجه نعمات الغارق في الدموع امام الهجوم العنيف .. وقفت في وجه الطبيبة وحالت بينها وبين امها ..

– اسمعي هنا .. انتي منو الاداك الحق تتكلمي مع امي بالصورة دي ؟؟ تفتكري يعني كان عاجبها تشوف بتها بتوصل لمرحلة زي دي وهي ما قادرة تعمل ليها حاجة ؟؟ انتي ما عارفة الظروف الاحنا عايشنها يبقى اوعك تحكمي عليها ولا علينا .. ولازم تفهمي انو البتتكلمي معاها دي ام .. عارفة يعني شنو ام ؟؟!! .. يعني سعادة عيالها اهم شئ في حياتها .. خلي جاية انتي بكل عجرفة وغرور تتهميها بالاهمال ؟؟ انتي دكتورة شنو انتي ؟؟ كيف تتعاملي مع اهل مريضة عندك بالصورة دي ؟؟ ياخي انعل ابو دكترتك العاوزة تذلي بيها خلق الله دي .. ويكون في معلومك امي دي عيانة ولو حصل ليها أي حاجة بسبب كلامك دة انا حاحملك المسئولية كاملة .

اشعرها دفاع ابنتها بالدفء وخفف عنها مرارة الحزن الكثيف الذي تعيشه .. قدمت نادية شكوى بحق الطبيبة وطالبت ادارة المستشفى بتغييرها .. كان البديل شاب خلوق .. صبور ومتفهم .. تفاني في رعاية هادية واصبح يقضي كل اوقات فراغه بجانبها .. وعندما اعلن وفاتها بعد شهر من وجودها بالمستشفى .. احتضن نعمات المفجوعة واجهش بالبكاء .. وظل مواظباً على الحضور طيلة ايام العزاء ومتابعاً لوضع نعمات الحرج التي ارتفع ضغط دمها بشكل استدعى ادخلها المستشفى والبقاء فيها لفترة طويلة .. وخلال ملازمة نادية لها نشأ ود خجول بينها وبين الدكتور ( نادر ) تنامى بهدوء بعد ان اصرت نعمات على ان يصبح هو طبيبها المعالج … ولم تتفاجأ حين لمح لها برغبته في الزواج من ابنتها الجميلة التي وضعت في خانة عوانس الحوش منذ زمن بعيد .. تخوفت نعمات من رفضها المعتاد برغم احساسها بوجود قبول متردد منها ارادت ان تغذيه فخاطبتها بضراعة …

– نادية يا بتي .. الله يرضى عليك ما ترفضي دكتور نادر .. الولد ممتاز وما فيهو عيب وعاوزك من قلبو لربو .. وانا قلبي بقول لي إنو انتي كمان بتميلي ليهو .. ادي نفسك فرصة وفكري كويس .. انتي ما بقيتي صغيرة .. وانا ابوك كبرنا وما حندوم ليك للابد لازم تعرسي وتجيبي ليك جنا يسندك في كبرك وعياك .. هسة لو ما انتي واختك منو الكان حيتجبر علي ولا يخدمني لمن عييت ورقدت ؟؟!! يا نادية لازم تنسي كل الحصل زمان وتبدي تعيشي حياتك من جديد …

رمقتها ابنتها بنظرة خالية من اللوم والعتاب والحقد الذي سكن عينيها طيلة السنوات الماضية …

– انا ممكن اوافق على دكتور نادر .. لكن بشرط ..

تلقفت الام الملهوفة الكلمات بفرح …

– انا متاكدة انو حيوافق على كل شروطك .. بس ما تطلبي منو حاجات فوق طاقتو .. في النهاية دة موظف في بداية حياتو ودخلو محدود .. يا نادية ابوك منتظر عرسك دة من سنين .. وحيعمل ليك أي حاجة انتي عاوزاها ..

وهبطت كلماتها اللاحقة كلطمة في وجه نعمات …

– شرطي اني احكي لنادر عن قصتي مع زاهر من اولها لاخرها .. اذا وافق بعد داك يعرسني حاقبل بيهو …

دلت شهقة نعمات التي اعقبها صمت تام على صدمتها من كلمات ابنتها .. وعندما تمالكت نفسها خرج صوتها محبطاً باكياً …

– يا بت انتي جنيتي ولا شنو ؟؟!! حرام عليك البتعمليو فينا دة ؟؟ عاوزة تفضحي روحك وتفضحينا معاك ؟؟ ليه ؟؟ عشان شنو ؟؟ ما تخلي الموضوع يمشي وعفا الله عما سلف … أنسي ماضيك دة كلو بخيرو وشرو .. اعتبريهو كأنو ما حصل … انا عملت العملتو زمان داك عشان لحظة زي دي … ما تخافي ما حيعرف .. واذا ربنا سترك ما تفضحي روحك … اسمعي كلامي .. انا امك .. عشت اكتر منك وبعرف اكتر منك نادر صحي دكتور ومتعلم ومثقف .. لكن في النهاية راجل .. راجل شرقي … وسوداني .. وحاجة زي دي مستحيل يقدر يتجاوزها .. حتى لو قبلها هسة عشان بحبك وعاوز يرتبط بيك باي شكل … لكن بكرة بتدخلوا في تفاصيل الحياة الزوجية بكل مشاكلها وروتينها ومللها واحباطاتها … وفي اول ملف حيذكرك بالكلام دة لانو حيكون قاعد جواهو زي السوسة بينخر في عقلو …

– امي .. دة شرطي الوحيد وما حتنازل عنو .. انا ما عاوزة ابدا حياتي مع نادر بكذبة كبيرة وامشي ليهو كاني بت لا عرفت ولا شفت .. نادر من حقو يعرف اني عشت تجربة زواج بكل تفاصيلها .. بما فيها الحمل والاجهاض … بعد كدة هو يختار .. لو قبل بظروفي دي تاني ماحيقدر يقول اي حاجة … اذا رضيتي أكلمو خير وبركة نمشي في الموضوع ونشوف حيوصل وين .. واذا ابيتي .. اعتذري ليهو طوالي وقولي اني رافضة اعرس ..

– يا نادية انتي لو كنتي معرسة بطريقة رسمية واتطلقتي ولا حتى راجلك مات ما كان حيكون فيها حاجة .. لكن ..

– دة شرطي .. موافقة ولا لا ؟؟

تم الزواج في حفل هادئ بسيط .. وخيب نادر كل توقعات نعمات المتشائمة .. كانت علاقته بنادية تزداد توهجاً بمرور السنوات .. وعبر عن حبه لزوجته وطفليه بانصهاره التام في عائلة ود العمدة الكبيرة …
– معليش يا جماعة .. اتاخرت عليكم .. اميرة الظاهر عليها نامت جوة الحمام ونستنا انا والبت برة ..

سحب عمار كرسيه وجلس بين والدي زوجته وتناول كوب الشاي من يد نعمات شاكراً …

– يا عم حامد لي كم يوم عاوز اسالك عن ابراهيم .. اخبارو شنو ؟؟ .. كنت ناوي امشي ازورو لكن ما لاقي زمن .. وكمان اميرة قالت لي انو ما راضي يقابل زول …

اكفهرت ملامح حامد عندما سمع اسم ابن اخيه .. وعبرت وجهه سحابات الالم والغيظ المخلوط بالغضب .. لقد اعجزه هذا الولد الفاسد بعد ان فعل كل ما يستطيعه لتغطية افعاله الشائنة .. لم يعد بوسعه فعل شئ آخر غير امنية سرية كان يخجل ان يجاهر بها حتى لنفسه .. كان يتمنى له الموت … وكان يبرر امنيته بان موته سيكون ستراً لهذه العائلة بعد ان اصبح فجوره العلني فضيحة تتبع اسمها كلما ذكر .. كان يتنسم اخباره عن بٌعد منذ ان طرده من المنزل قبل عام تقريباً عندما اتته حبيبة شاكية باكية للمرة الاولى منذ زواجها .. تكلمت بعد ان تعداها الاذى وطال صغرى بناتها .. الوحيدة التي ظلت في المنزل بعد زواج اختيها وانتقالهما للسكنى بعيدا عنهم …

– يا عم حامد انت عارفني عمري ما إشتكيت من عمايل ابراهيم وتصرفاته .. وصبرت عليهو صبر ايوب .. لكن لمن جات على بتي ما قدرت اسكت .. ما عارفة الحصل ليهو شنو !! الظاهر البلاوي الكتيرة البيشربها دي خلاص طلعت في راسو وجننتو .. بقى خاتي نقرو من نقر البت ومكرهها عيشتها .. يجي وش الصباح مسجم ومرمد يصحيها من النوم ويقعد ينق في راسها لمن تجي مواعيد مدرستها .. المسكينة بالعافية تجري تلحق البص .. حاميها القراية وعامل ليها رعب .. بيضربها باي حاجة تجي تحت يدو .. امبارح فك فيها كباية الشاي ولو ما ربنا ستر كان فتحت راسها .. يا تشوف ليك معاهو حل يا عم حامد .. ولا انا اخلي البيت و اسوق بتي امشي اقعد في أي مكان ..

عندما فتح حامد باب منزل ابراهيم بعنف ارتج له الجدار .. وجده جالساً وسط سحابة من الدخان الازرق .. يدندن بلحن مبهم وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة بلهاء ..كانت تفوح منه رائحة عرق نتن اختلطت بابخرة فمه التي تزفرها انفاسه فأصبح جو المكان خانقاً ومقززاً …

– دة شنو دة يا ولد الانت بتعمل فيهو دة ؟؟!! .. بلاهي ما خجلان من روحك .. ياخي انت بناتك عرسو وولدو وبقيت جد .. حتوعى متين ؟؟ حتبطل الوسخ البتعمل فيهو دة متين ؟؟!! حتنضف متين ؟؟!! قوم حيلك اطفي الزفت الفي ايدك وغسل وشك ولا استحمى عشان تفوق والواحد يعرف يتكلم معاك ..

– أنا بكرهك …

خرقت الجملة المفاجأة اذني حامد وظل واقفاً فترة طويلة يتامل ملامح ابن اخيه التي تحمل حقداً مخيفاً .. محاولاً استيعاب ما سمعه وما يراه ..

– قلت شنو يا ابراهيم ؟؟!! …

– سمعتني كويس يا ود العمدة .. ما تعمل لي فيها رايح .. وكان ما سمعت بقولها ليك تاني .. انا بكرهك .. بكرهك اكتر من أي شئ في الدنيا دي .. اكتر من الموت زاتو..

– انا ما ححاسبك على كلامك دة هسة لانك ما في وعيك .. لكن لمن تصحصح كويس انا بعرف شغلي معاك …

– حتعمل لي شنو يعني ؟؟ … حتضربني ؟؟!! .. انا بحذرك من هسة لو حاولت تمد ايدك علي تاني بكسرها ليك .. اوعى تكون قايلني لسة الولد الصغير البخاف منك داك ؟؟ ولا يمكن قايلني لسة محتاج ليك ولقروشك … فوق يا عمو .. فوق وعاين لي وشوفني كويس .. انا كبرت .. كبرت شديد .. وخليت الخوف منك من زمان .. وكان للقروش انا خلاص استغنيت عنك وعن وصايتك .. ورثتي من امي وابوي تعيشني مرتاح لآخر عمري .. يعني بالواضح كدة .. طظ فيك وفي قروشك ..

– انت ولد قليل ادب وما اتربيت .. ؟؟!! ..

– في دي كلامك صح .. اول مرة اتفق معاك في كلام تقولو … انا بالحيل ما اتربيت .. انت قالوا عرست امي عشان تربيني .. لكن عمرك ما ربيتني .. اها اتحمل نتيجة عدم تربيتك لي .. اتحمل فكرة اني بقيت كدة بسببك ..

– ما تغش على نفسك يا ابراهيم .. انت ما بقيت كدة بسببي ولا بسبب أي زول .. انت بقيت كدة لانك عاوز تبقى كدة .. يعني شوف ليك شماعة غيري علق فيها سبب فشلك .. طول عمرك من ما انت صغير انسان مهزوز .. وكبرت بقيت فضيحة ماشة على رجلين .. كتر خيري الاتحملت بلاويك وقرفك السنين الفاتت دي كلها .. ودة والله ما عشان خاطرك .. عشان خاطر اسم اخوي الانت شايلو وما مشرفو .. اسمعني كويس يا ولد لاني ما حكرر كلامي دة كتير .. لو سمعت بيك تاني مديت يدك على بتك ولا ضايقت حبيبة حوريك الادب الطول عمرك ما شفتو .. فاهم الكلام دة ولا لا ؟؟ ..

– وانت الدخلك شنو في مرتي وبتي ؟؟ مالك ومالهم ؟؟ عاوز تشاركني فيهم كمان ؟؟ بياتو مناسبة ؟؟ هو انا كنت شاركتك في نسوانك الكنت بتعرس فيهم الصباح الصباح ديل ؟؟ ولا شاركتك في بناتك الفلطتهم زي الارانب ؟؟

نزلت عصا ود العمدة الغاضبة على راس ابن اخيه وانفجرت الدماء لتملا المكان … لم يستطع احد اقناع ابراهيم بالتنازل عن بلاغ اتهامه لعمه بضربه الا ( بله) الذي اتى من القرية مسرعاً استجابة لاستغاثة نعمات … عندما خرج ابراهيم من المستشفى رفض حامد عودته الى المنزل …

– ما عاوزو في بيتي .. يمشي يشوف ليهو أي مكان تاني يلم فيهو حقدو وكراهيتو ووساختو …

– برضو طظ فيك وفي بيتك .. انا من يوم ما عرست كنت عاوز اغور من خلقتك دي وانت الابيت واصريت على قعادي عندك .. وهسة حسوق مرتي وبتي واتخارج منك…

– ما عندك عندي مرا ولا بت .. اطلع براك .. انشاء الله تسكن جوة براميل الخمرة وتتسطل الليل والنهار .. انت حر في روحك .. لكن حبيبة وبتها مسئوليتي .. وما بخليك تسوقهم عشان تبهدلهم معاك ..

– طيب يا حامي حمى البشرية .. خليتهم ليك .. مش عشان انت قلت كدة .. لا .. عشان انا زاتي ما عاوزهم .. لكن في يوم من الايام لو جاني مزاج اسوقهم .. بسوقهم .. برضاك ولا غصباً عنك .. بالبوليس .. بالمحكمة .. باي وسيلة تريحني وتتعبك ..

خلال الشهور الاولى لاختفائه لم يهتم حامد بمعرفة مكانه .. ثم بدأ يبحث عنه تحت ضغط ( بله ) المهموم باحوال ابن اخيه .. اتاه مرساله مطرقاً خجلاً وهو يخبره عن ما توصل اليه ..

– أجر ليهو شقة في المهندسين وعايش ببذخ شديد .. سايق عربيتو الليل والنهار وحايم في حتت معينة يلقط الاولاد الصغار ويوديهم بيته .. الجيران بدوا يشتكوا من نوعية الناس البيجوهو وشكلهم .. وسمعت تحت تحت كدة انو البوليس خاتي عينو عليهو ومراقب كل تحركاتو …

عندما سمع نبأ القبض عليه متلبساً في احد البيوت المشبوهة .. استخدم حامد كل علاقاته ونفوذه لمنع نشر الخبر .. ارسل المع المحامين لمقابلة ابراهيم الذي رفض ببرود أي مساعدة من عمه .. واعترف بكل التهم التي نسبت اليه .. عند اعلان الحكم بسجنه .. اهتزت قاعة المحكمة بضحكاته المدوية التي افزعت الجميع وشككتهم في سلامة قواه العقلية …كانت جلسة اعلان الحكم آخر مرة رآه فيها أي من افراد اسرته بعد ان رفض استقبالهم عندما ذهبوا لزيارته في سجنه …

– ما عندي أي اخبار عنو يا عمار .. لسة رافض الزيارة او أي محاولة تواصل معاهو…

نطق كلماته وهب مستئذناً على عجل .. بدت خطواته اكثر بطئاً وتعباً من ذي قبل .. فاحس عمار بالندم على سؤاله الذي نكأ جرح والد زوجته بدون قصد منه .. وقف ليلحق به … فثبتته يد نعمات في جلسته وهي تتابع زوجها بنظرات مشفقة ومتفهمة …

– خليهو هسة يا عمار .. اصلا سيرة ابراهيم دائما بتنرفزو .. لكن بعد شوية بروق وبرجع عادي …

كاد حامد في اندفاعه البطئ ان يصطدم بمنال التي خرجت فجأة من الباب الداخلي للمنزل وهي تحمل حقيبتها الطبية ..

– بسم الله .. مالك يا منال مستعجلة قدر دة …ماشة وين ؟؟

– معليش يا ابوي ما كنت منتبهة .. مواعيد حقنة خالتي رجاء جات وماشة اديها ليها ..

– رجاء عندها بدل الدكتور اتنين في البيت وتمشي انتي تديها الحقنة ؟؟!! …

– قالت جمال وجاكلين ايدهم حارة ولمن يدوها الحقنة بتفضل واجعاها فترة طويلة .. لكن انا يدي باردة وما بتحس بيها ..

– رجاء دي بتتدلع ساكت … يلا انا حامشي معاك .. لي زمن ما شفتها ..

دخلت منال بضجيجها المعتاد وهي تناوش جانيت ابنة جاكلين كعادتها .. حملتها بين ذراعيها رفعتها عالياً وهي تدغدغها وتتجاوب مع صرخاتها الطفولية العابثة ..

– هوي يا منال .. نزلي بتي دي في الارض ما توقعيها لي .. دي الحيلة يختي وما عندي غيرها .. اتاخرتي مالك ؟؟ ماما هوستني بالسؤال عنك .. وكالمعتاد ما رضت تخليني انا ولا جمال نديها الحقنة ..

– ليها حق ما تخليكم لانكم انتو الاتنين ايدينكم عاملة زي قوالب الطوب .. وانا ايدي خفيفة زي الريشة .. هو أي زول اتخرج من طب بينفع يكون دكتور ؟؟ يا فالحة الدكترة دي خشم بيوت..

تعالى صوت رجاء الزاجر من داخل غرفتها …

– يا بنات بطلوا نقار مواعيد الحقنة فاتت .. يلا يا منال خلصيني ..

– جاية يا خالتي رجاء .. ومعاي ابوي حامد عاوز يسلم عليك ..

كان جمال قد خرج من غرفته ملهوفاً عندما سمع صوت منال .. ثم توقف اندفاعه لمراى ود العمدة برفقتها ..

– عم حامد .. اهلاً وسهلاً .. اتفضل اتفضل .. واقف برة ليه ؟؟

كانت العلاقة بين الاسرتين قد اذدادت رسوخاً بمرور السنوات وتقاسم ملمات الحياة .. بعد مقتل جانيت المأساوي احس حامد بمسؤليته تتعاظم تجاه الاسرة الصغيرة الغارقة في الحزن .. فاصبح هو وجميع اهل الحوش متواجدين بصفة دائمة لمؤازرة رجاء المنهارة حتى تلاشت كل الحواجز بين البيتين … جلس حامد في الكرسي الملاصق لسرير رجاء وهو يخاطبها بحنو ابوي ..

– والله يا رجاء انتي بتتدلعي .. يا ولية قومي وشدي حيلك شوية .. انتي كويسة وما عندك عوجة .. مالك عاوزة تشفقينا عليك ؟؟ ولا بتعملي كدة عشان اولادك يقعدوا جنبك اليوم كلو ؟؟

منحته رجاء احدى ضحكاتها التي اصبحت نادرة ومتباعدة ..

– والله يا عم حامد لا عاوزاهم يقعدوا معاي ولا حاجة .. حتى اسال جاكلين .. البت دي يوميا انا بطردها عشان تمشي بيتها .. وحياة العدرا بقيت خجلانة من راجلها .. البت بتقعد عندي اكتر مما بتقعد عندو ..

– يا ماما يا حبيبتي ناصر عارف انك روحي ونفسّي .. واني مستحيل اقعد يوم واحد من غير ما اشوفك .. وبعدين هو ما يقدر يقول ولا كلمة .. مش كفاية انك بتعبك دة ومصرة تمكسي ليهو بتو وابيتي تخلينا نجيب ليك شغالة تساعدك ؟؟ وعلى فكرة يا جدو حامد ناصر زاتو بقى ينافسني في حب ماما لمن انا مرات بغير منو ..

رمقتها رجاء بحنان وهي تحتضن حفيدتها التي تسللت وتكورت في مكانها المفضل على صدر جدتها ووضعت ابهامها داخل فمها وهي تنظر الى الجميع ببراءة ..

– شغالة شنو الانا باخليها تعمل حاجة لجونا ؟؟!! دة انا لو بزحف على ايديني ورجليني برضو بسوي كل حاجاتها براي … دي الغالية المخلياني احس انو الدنيا دي فيها حاجة تستاهل يعيشوا ليها …
اشتكى جمال ضاحكاً ..

– شايف يا جدو حامد ماما بتقول شنو ؟؟ .. يعني احنا كلنا ما بنستحق تعيش عشانا .. وبسبب المفعوصة دي كلنا اترمينا في الرف ..

– يا ولد اعز من الولد ولد الولد .. وانت بس ريحني وعرس شوف انا عيالك حعمل ليهم شنو .. اها يا عم حامد طالما الموضوع انفتح خليني النشتكي ليك من جمال دة … الولد كاسر قلبي بعدم عرسو .. ما عرفنا هو عاوز شنو .. جبنا ليهو بنات اشكال والوان .. اصل وفصل وتدين وتعليم .. وبرضو رافض .. عليك الله اتكلم معاهو .. انا عاوزة اشوف عيالو قبل ما اموت …

– بعد الشر عليك يا ماما .. وبطلي حركات المسلسلات المصرية دي … تموتي كيف يعني ؟؟ وتخلي التعب والشقاوة لمنو ؟؟ يا ماما انتي ملك الموت زاتو بيلاوز منك ويقول الزولة دي بتحب التعب عشان كدة خلوها عايشة مافي داعي نريحها .. يا ست الكل انشاء الله انا قبلك .. وتعيشي لمن تخرفي وتجننينا بخرفك .. واضح انو خرفك حيكون صعب خلاص ..

– بعد الشر عليك يا ولدي انتو لسة العمر قدامكم .. لكن احنا خلاص حناخد زمننا وزمن غيرنا ؟؟ يلا حسن الختام ..

– في شنو يا ماما وجمال ؟؟ مالكم قلبتوها غم كدة ؟؟ .. خلونا من سيرة الموت دي عليكم الله واتكلموا في أي حاجة تانية ..

عبرت وجه جمال سحابة قاتمة .. وظهرت لمعة غامضة في عينيه التي تفادت النظر الى جميع الموجودين بالغرفة .. وخرج صوته مبحوحاً ..

– ماما انتي مش مؤمنة ؟؟ مش عارفة انو الزواج قسمة ونصيب ؟؟ .. لازم تعرفي اني ما رافض الزواج في حد زاتو .. انا بس منتظر ربنا يقسم لي نصيبي ..

خيمت لحظة صمت كثيف على الغرفة بعد الكلمات الحارة التي كان لها وقع مختلف على كل شخص اطرقت منال بحزن وهي تقاوم الدموع التي تجمعت في عينيها وهددت بفضحها .. طرفت عدة مرات .. اعطت ظهرها للجميع وهي تتظاهر بتعبئة الحقنة .. فمنذ ذلك اللقاء العاصف الذي جمعهما ليخبرها جمال برغبته في انهاء ما بينهما .. تغيرت علاقتهما بصورة كبيرة .. واصبحت مشاعرهما اعمق وانضج واشد قوة مما كانت .. وبعد ان تخطى جمال محاولات تفاديها والابتعاد عنها واستسلم لاحتياجه الشديد لوجودها في حياته .. أبرما اتفاقاً صامتاً بترك الامور تسير كما قدر لها دون أي محاولة لدفعها في اتجاه آخر .. التزم جمال بعهده لها .. لم تكن هناك اخرى في حياته غيرها .. برغم وسامته التي عززتها سمعته كطبيب تخصص في مجال جراحي نادر وصعب وجعلت الفتيات ينجذبن اليه ويتحلقن حوله اينما سار .. وبرغم تحسن اوضاعه المادية بشكل ملفت جعله حلم الكثيرات .. الا ان منال ظلت هي حلمه الاوحد ..

كان يحس بالالم والفرح معاً عندما يتناهى الى سمعه رفضها للعرسان الواحد تلو الآخر .. لم تكن تخبره … لكن جاكلين المهمومة بعدم زواج صديقتها كانت تاتي وتحكي لامها عن عناد منال الغير مبرر ورفضها القاطع برغم كل الضغوط التي تمارس عليها .. في احدى المرات كان العريس شاب يحمل كل صفات فى الاحلام لاي فتاة .. فاحس بذنب قاتل يتاكله .. حاول مناقشتها واقناعها بالموافقة ..

– منال … عاوز اطلب منك طلب بس اوعديني ما ترديني فيهو ..

– طلب ؟؟!! .. انت تامرني يا جمال وانا اطيع .. قول عاوز شنو ؟؟ ..

– ارجوك .. ارجوك يا منال وافقي على الزول المتقدم ليك دة .. اتزوجي وعيشي حياتك .. العمر بيجري .. وانا خايف عليك .. وحاسي بالذنب لاني معلقك معاي في وضع ما عارف نهايته شنو .. انتي بتستاهلي تتزوجي احسن انسان في الدنيا دي .. وتجيبي احلى عيال … تستاهلي تعيشي سعيدة .. منال انتظارك لي ما منطقي وما فيهو شئ من العقل .. حتنتظريني لمتين ؟؟!! .. اذا انا زاتي ما عارف انا منتظر شنو ..
قاطعته بلهجة غاضبة .. حاسمة ..

– اسمع يا جمال .. كلمة قلتها ليك من زمان .. حستناك ولو العمر كلو .. يعني يا اعرسك انت ولا بلاش .. انا يا جمال ما محتاجة مجرد راجل اشاركو السرير ويصرف علي ويبقى اسمي مقرون باسمو .. انا بالذات بعد تجربة امي وابوي مصرة اني ما اتزوج تحصيل حاصل .. لازم زاوجي يكون تتويج لاحساس جواي … لانو الزواج في حد زاتو ما هدف بالنسبة لي .. الزواج مجرد وسيلة تحقق لي رغبتي في الانتماء لانسان محدد انا بحبو وعاوزة ابقى جزء منو اشيل اسمو واربي عيالو .. فهمت ولا اشرح زيادة ؟؟ ..

بعد هذا النقاش احبها اكثر .. احترمها اكثر .. وتمناها اكثر .. ولم يفاتحها مرة اخرى في امر زواجها بآخر …

قطع صوت جاكلين المرح حبل الصمت المشحون ..

– انتو ليه شانين حملة على جمال براهو ؟؟!! .. ما عندكم مثال تاني .. الدكتورة منال العاوزة تبقى راهبة .. ونست زمان لمن بتتشاكل معاي عن موضوع دخول البنات الدير وفكرة الترهبن في الدين المسيحي .. كانت بتقول لي لا رهبانية في الاسلام .. اها هسة هي بقت راهبة مسلمة ..

تحولت الانظار الى منال التي فرغت للتو من سحب الحقنة من ذراع رجاء .. رفعت راسها اليهم وابتسمت باطمئنان ..

– انا تقريباً عندي نفس فكرة جمال عن الزواج .. انو قسمة ونصيب .. قدر مكتوب ومسطر من قبل ما نتولد .. حاجة ما بتحصل الا لمن ربنا ياذن .. وفي لحظة ما بعلمها الا هو سبحانه .. وما تمشوا بعيد .. اقرب مثال نادية بت أمي نعمات .. قعدت بالسنين ترفض العرسان .. ولمن جا الدكتور نادر .. ما فتحت خشمها وطوالي وافقت برغم انو ما كان احسن زول اتقدم ليها .. طيب وافقت ليه ؟؟!! لانو المسالة ما بتخضع لاحسن واكعب .. المسالة انو ربنا لمن يقول ليها كوني بتكون .. انا ما رافضة اتزوج انا بس منتظرة اللحظة البيقول فيها ربنا كوني .. وصدقوني وقتها داك ما حقدر اقول لا ولا أي زول تاني حيقولها … مهما كان الشخص المتقدم لي ..

علت وجه جمال ابتسامة فخورة تبعها تعبير ناعم سرعان ما اختفى .. لكنه لم يفت عيني ود العمدة البارعتين في التقاط التفاصيل .. قطب حاجبيه بعد ان بدات فكرة غامضة تتشكل في عقله … نقل نظراته ما بين حفيدته الحالمة .. وجمال الهادئ .. ضربه الادارك كالبرق .. واحرق روحه الكهلة .. بدات جملة مخيفة تتردد في عقله … واستمرت بالحاح مقيت حتى اوى الى سريره ليلاً..

– جمال ومنال ؟؟!! معقولة ؟؟!! … مستحيل ..

اغمض عينيه وهز راسه حتى ينفض عنه الفكرة … تواترت الى ذاكرته المتعبة احداث متفرقة لم تكن تعنى شيئا ساعة حدوثها .. لكن تبعاً لادراكه الجديد اصبح لها معنى مختلف … بدات التفاصيل تتجمع مع بعضها كقطع الاحجية المثتناثرة .. واصبح السؤال يدوي في عقله كقرع الطبول ..

– جمال ومنال ؟؟!! معقولة ؟؟!! … مستحيل ..

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.