حوش بنات ود العمدة – الفصل التاسع عشر

14 ديسمبر 2017آخر تحديث : منذ سنتين
حوش بنات ود العمدة – الفصل التاسع عشر
بقلم: سناء جعفر


انطلقت صرخات حبيبة الملتاعة لتبدد سكون الجو وتملا ممرات المستشفى الهادئ بضجيج حزين … لم يكن مرض امها الطويل كافياً لتهيئتها على تحمل الم فقدانها .. كانت بالنسبة اليها الام والاخ والاخت والصديقة .. الصدر الحنون الذي يستقبل كل احباطاتها وحزنها وغضبها ..

كانت كل ما تبقى لها من عائلتها بعد وفاة ابيها واختفاء عبد الرزاق وتعمد عبد الستار الابتعاد عنها وعن عائلتها في السنوات الاخيرة .. هذا الابتعاد الذي اراحها كثيراً .. فمع كل زيارة كانت النظرات المتبادلة بين زوجها وشقيقها تشعرها بالغثيان .. نظرات غامضة تحمل مزيجاً غريباً من الحب والكراهية وتشحن الجو بشرارات من التوتر المرهق .. كانت تحرص على عدم انفرادهما ولو لدقائق .. فهي قد تتحمل ممارسات زوجها على مضض طالما تتم بعيداً عنها ومع غرباء … لكن فكرة وجود زوجها مع شقيقها كانت اكبر من قدرتها على الاحتمال .. اصبح عدم ارتياحها وتحفزها واضحاً في كل زيارة .. وبات تواجدها الكثيف حولهما مقلقاً … فتباعدت الزيارات حتى انقطعت عن بيتها تحديداً … لكن من حين لآخر كانت تلتقيه عند حضوره لزيارة امهما .. ما ان يراها حتى يبدا بالتململ وسرعان ما ينتحل عذراً للمغادرة دون ان تلتقي عيناهما …

– حبيبة !! … دة شنو البتسوي فيهو دة ؟؟!! … البسي توبك واستري روحك ..

كانت عبارات ابراهيم الزاجرة سبباً في انتباهها لحالتها المزرية … فقد انفرط ثوبها عن جسدها واصبح يزحف خلفها على الارض كاشفا تضاريسها المغرية للعيون الفضولية … لملمته حولتها وهي تنظر الى زوجها الذي بدا حزينا على رحيل امها بقدر حزنها هي … في بداية زواجهما كانت تظنه يتظاهر بحب اسرتها ارضاء لها .. لكن مع مرور الايام تاكدت بانه يحمل مشاعر حقيقية لامها وابيها واخويها … مشاعر ربما كانت تفوق تلك التي يحملها لها هي زوجته وام بناته .. كان يتعامل معها باحترام ويغدق عليها من المال بما يفوق طلبها واحتياجها .. لكنه ابدا لم يمنحها ما تحتاجه منه حقاً .. حبه ..

– سوقي البنات وارجعي البيت .. انا حخلص الاجراءات واستلم الجثمان واحصلكم .. واول ما توصلي كلمي الجماعة واتصلي بعم حامد عشان يجهز للفراش ..

عندما وصلت سيارة التاكسي التي تقل حبيبة وبناتها الى ناصية الشارع فوجئت بالجموع المتمركزة امام الحوش واصوات البكاء والعويل التي تصم الآذان … اندهشت من السرعة التي وصل بها الخبر وهمست لنفسها بمرارة …

– يا حليلك يا العينة .. ما كنت متخيلة الناس حتجي لجنازتك قدر دة .. لكن هم اكيد ما جايين عشانك .. ولا عشاني .. اكيد كلهم جايين يجاملوا ود العمدة وابراهيم …

شقت السيارة الجموع بصعوبة وتوقفت امام الباب الكبير .. عندما ترجلت حبيبة وجدت نفسها في مواجهة بلقيس التي احتضنتها ما ان راتها وهي تبكي بحرارة وتخرج كلماتها متقطعة من بين شهقاتها العالية ..
– احي يا حبيبة من نار امي … ووووب عليّ من حرقة السرة المشت خلتني ..

تملصت حبيبة من قبضة بلقيس وسالتها بحيرة ..

– السرة ؟؟!! السرة ماتت يا بلقيس ؟؟!! .. السرة ماتت مع العينة في يوم واحد ؟؟!! ..

توقفت بلقيس عن البكاء لبرهة وهي تنظر الى حبيبة بجزع ..

– العينة ماتت ؟؟ اماتنا ماتن في يوم واحد يا حبيبة ؟؟ ..

وبدات عاصفة هوجاء من البكاء غزتها توصيفات بلقيس وحبيبة واستمرت حتى خروج الجنازتين متجاورتين .. انهمك بعدها الجميع في التجهيز لايام طويلة من استقبال المعزين… اصرت بلقيس على جلوس حبيبة بجانبها .. ومع كل قادمة من اهلها كانت تكرر نفس الجملة …

– عزوا حبيبة مرت ابراهيم .. امها برضو ماتت الليلة ..

كانت بعض الايدي تمتد بتردد وتوضع في راس حبيبة المحني بلمسة خاطفة لا تكاد تستقر حتى تبتعد مع انقضاء الصوت الرفيع الذي تصدره النساء مجاملة لطلب بلقيس ودون مراعاة لمشاعر حبيبة التي احست بالغضب من برود وتعالي اهل زوجها .. في نهاية اليوم قررت ان تقاطع مجلس العزاء في البيت الكبير حتى تجنب نفسها هوان المجاملة الرافضة وتمارس حزنها بالطريقة التي تستحقها العينة
كانت تشق ممرات البيت الكبير في طريقها الى منزلها عندما استرعى انتباهها صدى اصوات تعرفها جيداً .. ابطأت سيرها ولم تبذل جهداً لاستراق السمع .. فقد كانت الاصوات عالية بما يكفي لتصل اليها واضحة ..

– عليكم الله بلقيس ما بالغت ؟؟!! .. مقعدة الخادم جنبها في المرتبة وعاوزانا كمان نخت يدنا فيها ونعزيها ؟؟!! غايتو احرجتنا جنس احراج …

– ولا احراج ولا حاجة .. انا ابيت اخت يدي في راسها ولا اباكيها .. ياهو الفضل كمان اعزي الخادم !! .. دة الا يكون آخر يوم في عمري … والله مش كان عرست ابراهيم ود العمدة لو عرست العمدة زاتو حتفضل خادمنا .. ومن متين احنا بنعزي الخدم كمان ؟؟!! تعرفوا … السرة الله يرحمها لو عرفت العينة دي بتموت معاها في نفس اليوم كان اجلت موتها شوية .. وكان عرفت انو ود العمدة بيدفنها جنبها ..كان خلت الموت زاتو .. يا حليلها المسكينة تلقاها هسة بتتقلب في رقدتها وما قادرة ترتاح ..

احست حبيبة بالدم يغلي في عروقها .. فتقدمت وسدت الباب المفتوح بجسدها المتوتر ونظرت الى النساء الغافلات بغضب وتحد ..

– تعرفوا انكم نسوان قليلات ادب وما مربيات وما لاقيات زول يلمكم .. عاملات فيها ربيبات الحسب والنسب وبنات الاصول .. وانتو ما عندكم شئ غير الحقد والكراهية .. وما بتعرفوا غير النميمة واكل لحم خلق الله … انا لولا احترامي لنفسي وللظروف الحاصلة .. كنت وريتكم شغل الخدم على اصولوا .. و البتسووا فيهو انتو دة انا البتقولوا علي خادم ما بسوي زيو…

بهت جميع من في الغرفة لظهورها المفاجئ وكلماتها الحادة .. ولم تجرؤ أي من الموجودات على التفوه بكلمة .. نظرت اليهن باحتقار وقبل ان تختفي التفتت وخاطبتهن بمرارة ..

– يالحراير يا بنات الاصول .. لو ياها دي اخلاقكم انا مبسوطة اني طلعت خادم .. على الاقل الخادم عرفت تراعي حرمة الموت وما اتجاوزت حدها حتى مع ربها الخلقها .. اخي تفو عليكم ناس موهومين وتافهين وقلوبكم زي السكن …

بصقت على الارض ثم غادرت دون ان تنتظر رداً .. ولم تعاود الظهور في البيت الكبير طيلة ايام العزاء التي امتدت لشهر كامل .. وبرغم ضغوط ابراهيم عليها لم تمتثل لطلبه وانهت النقاش بحسم..
– اسمع يا ابراهيم .. انا اهلك ديل خلاص اكتفيت منهم ومن حقارتهم لي ولاهلي .. استحملتهم سنين وسنين لكن خلاص فاض بي .. ومافي شئ تاني بيجبرني استحمل سخافتهم وعنصريتهم .. سبحان الله ديل حتى في الموت عاوزين يعملوا خيار وفقوس اها الله وراهم .. الموت ما فيهو تمييز … والعينة الخادم ماتت مع السرة بت الاصول في نفس اليوم واتدفنت في قبر جنبها .. يكون في علمك انا البيت الكبير تاني ما ماشة والعاوزني يجيني هنا …

لم يؤازرها في حزنها غير نعمات التي تجنبت البيت الكبير بعد فشلها في تحمل نظرات وغمزات الشماتة التي راتها سافرة في اعين اقارب السرة وهم يراقبون حركتها البطيئة التي استعادتها بعد مجهود جبار في العلاج الطبيعي .. ومن وقت لآخر تحضر رجاء التي اصبحت صورة باهتة وحزينة للمراة المرحة المحبة للحياة التي كانتها يوماً .. لقد اصابها هجران ابنتها للمنزل في مقتل …

– يا رجاء ما تعملي في نفسك كدة .. حتموتي لو استمريتي بالطريقة دي .. انتي ما قاعدة تعايني في المراية ؟؟ ما شايفة روحك بقيتي كيف ؟؟!! وبعدين هي البت مشت وين ؟؟ مش عند اعمامها ؟؟ يعني اكيد ما بتجيها عوجة ..

كانت الكلمات تخرج من نعمات حارة … مواسية … متفهمة .. لم تعد الامور الى طبيعتها ابدا في اسرتها الصغيرة بعد مشكلة نادية التي جاهرتها بالعداء والكراهية باسلوب مخيف فأصبحت هماً يؤرقها ويقض مضجعها … حتى استعادتها لصحتها لم تفرحها .. وبدا الخوف والقلق يتسللان الى قلبها عندما رفضت ابنتها باصرار وعناد كل من تقدم طالباً يدها .. وتوقفت محاولاتها للضغط عليها عندما انهت احد النقاشات العديدة معها بوقاحة وتحد ..

– شوفي يا امي .. ما تكتري كلامك معاي .. عرس ما حعرس .. حاقعد ليك كدة عشان كل ما تشوفيني تتذكري انتي عملتي شنو فيني …

– هو انا عملت شنو فيك يا بت يا قليلة الادب ؟؟!! .. انا عملت فيك خير لمن خلصتك من العواليق الكان غاشيك وماكل عقلك … عملت شنو غير سترتك من الفضيحة والجرسة وسط الناس وحافظت على سمعتك .. والله ومليت خشمي بالله لو ما وافقتي على العريس دة الا اخلي ابوك يغصبك ويعرس ليك ورجلك فوق رقبتك …

– بالله ؟؟!! عليك الله يا امي انتي صدقتي كذبتك الانتي صنعتيها عشان تبرري بيها جريمتك في حقي وحق راجلي وطفلي ؟؟!! اوعي تصدقي انك عملتي دة كلو عشاني .. لانو انا وانتي عارفين انو كل العملتي كان عشانك انتي .. عشان امي السرة ما تشمت فيك وتقول بتك عرست العبد .. وعشان ما تطلعي قدام ابوي ما عرفتي تربي .. وعشان تحافظي على صورة اهلك قدام الناس ..اتآمرتي علي انتي واهلك .. ودمرتيني بقلب بارد كاني ما بتك .. لكن انا بحذرك يا امي … لو اصريتي على موضوع العرس دة ولا كلمتي ابوي .. قسماً بالله الا افضحك الفضيحة الجد ..واول حاجة امسك العريس واهلو واحكي ليهم قصتي من طق طق للسلام عليكم … وبعدها امشي احكي لامي السرة وبلقيس عن العملتوا فيني .. حيحصل شنو يعني ؟؟ حيقتلني ابوي مثلاً ؟؟ يا ريت .. دة حتى الموت اهون علي من الحياة الانا عايشاها هسة دي ..

كانت لهجة نادية وملامحها كافية لاقناعها بجدية تهديداتها .. فاعتذرت لاهل العريس وهي تتخوف من سنوات قادمات سوف تضطر فيها لمواجهة مشاعر الحقد والغضب التي احتلت ابنتها وحولتها الى مخلوقة اخري لا تعرف الرحمة … ولا الغفران ..

– تعرفي يا رجاء تربية البنات صعبة شديد .. زي اكل الجمر .. لكن انتي ما قصرتي في أي حاجة .. يعني ما تلومي نفسك لانو بتك خلت البيت ومشت لاعمامها .. خليها شوية بكرة تروق وتهدا .. حتعرف غلطتها وترجع ليك براها ..

– متين يا نعمات ؟؟ متين ترجع .. وحياة المسيح انا حاسة كانو حتة من قلبي قطعوها وشالوها … ما قادرة اتحمل فراقها يا نعمات .. يشهد ربنا انا ما بانوم الليل لمن اتذكر انها ما نايمة في سريرها ..
– اصبري يا رجاء … اصبري .. الزمن بيحل كل شئ ..

في غرفته جلس ابراهيم متململاً ضجراً وهو يشعر بدبيب النمل يجتاح جسده ويفصح عن احتياجه لاشياء انزوت في اعماقه منذ وفاة السرة والعينة … لقد جعله رحيلهما معا في يوم واحد يشعر بحزن حقيقي لم يشعر به منذ زمن طويل .. تحديداً منذ اكتشافه ان حامد ليس ابوه .. يومها راوده احساس اليتم لاول مرة في حياته .. واوجعته الصدمة كما لم يوجعه شئ آخر … لكن فقدان من انجبته ومن ربته ورعته كان له طعم مختلف … طعم الفراغ .. لقد اصيب بالرعب من ذلك الاحساس الذي احتل روحه وجعله يفقد القدرة على التواصل مع كل ما حوله ومن حوله .. فانفصل عن واقعه وسجن نفسه داخل فقاعة صلبة شفافة ينظر من خلالها الى العالم الخارجي وهو يتحرك حوله دون ان يستطيع مشاركته في حركته .. فقدت كل الاشياء طعمها .. الاكل .. الضحك .. البكاء حتى سجائره المخلوطة القابعة في احد اركان خزانته لم تثر فيه رغبة تدخينها .. ولم يعد جسده يتجاوب مع الاغراءات المعتادة التي كانت تحركه فيما مضى … حاول اخراج نفسه من هذه الحالة بشتى الطرق …فقاد سيارته لساعات وساعات … تجول في الشوارع المزدحمة .. وتاه في الخلاء المقفر .. وقف امام المباني الفخمة في الاحياء الراقية .. وخاض داخل الحفر الناتجة عن صب مياه البالوعات في الاحياء الفقيرة .. زار اضرحة الشيوخ وتاه وسط المزارع والزرائب .. نام على مقود سيارته امام البحر الصاخب وابتل جسده بالعرق عندما التصق به تراب الارض الحار .. كان فشل محاولاته اليائسة لاستعادة الاحساس بالحياة والتخلص من الفراغ الذي ابتلعه يدخله في دائرة جديدة من الحزن والاحباط .. زادتها سؤاً نظرات حبيبة التي تحولت من اللوم والاتهام الى الاستنجاد وطلب الدعم …

لذلك غمرته فرحة طفولية عندما احس بالوخزات التي تعبر جسده … فهي دليل تعافيه من التبلد المؤلم الذي ناء بحمله طيلة الفترة الماضية .. نهض من جلسته بنشاط محموم .. بدل ملابسه .. وفي لحظات كان يقطع الصالة العريضة تسبقه رائحة عطره الخانق .. رفعت حبيبة راسها ورمقته بنظرة كليلة بعد ان رات في ملامحه شرارات ظنتها قد خبت … تمتم بتحية باهتة دون ان ينظر الى النساء الجالسات اللائي تابعن خطواته حتى اختفى خلف البوابة .. تبادلت نعمات وحبيبة نظرة عميقة حملت معان خفية ونمت عن ادراك مشترك .. ففي احدى لحظات ضعفها النادرة احتاجت حبيبة لشخص آخر تشركه معها في السر الاسود الذي يخنقها .. فلم تجد غير نعمات التي كانت تبادلها الود والاحترام … يومها اندهشت لجمود وجه نعمات .. ثم ادركت بانها كانت تعلم منذ زمن بعيد بعد ان اخبرها ود العمدة بهواجسه التي كادت تصبح يقين عن سلوك ابن اخيه المشين … ولم يكن هناك ما يمكن فعله غير التزام الصمت والتظاهر بان ما يحدث غير حقيقي …

وقف ابراهيم امام باب سيارته وقد تجمدت يداه من لفح الهواء البارد .. دلف الى الدفء الداخلي واغلق الباب خلفه .. اشعل المحرك ثم لفافة التبغ وجلس ساكناً وهو يستمع الى صوت الماكينة يعلو وينخفض ويتامل دخان سيجارته التي تحترق بين اصابعه بشغف .. قاد بهدوء حتى وصل الى بيت (منّان ) الطيني بجدرانه القصيرة ولونه الكالح الحائر بين البني والرمادي ..عندما ترجل امام الباب الحديدي الصدئ بدا التناقض واضحاً بينه وبين المحيط المتواضع حوله … دفع الباب بلهفة لترتد يده بالم .. فاعاد النظر اليه ليفاجأ بوجود جنزير حديدي سميك يطوق عنقه وفي نهايته قفل ضخم … تبسم باستهزاء .. فالجدران القصيرة لا تحتاج الى جهد كبير لقفزها لكنه وقف بصبر نافذ وطرق بعنف حتى سمع انين باب الخشب الداخلي يعلن وجود مجيب لطرقاته .. راقب ابراهيم من خلف الحائط راس منان الاشيب وهويظهر ويختفي وسمع صوته المتوتر يسأل بحذر ..

– منو ؟؟!! منو في الباب ؟؟!! …

– افتح يا منان انا ابراهيم ..

تهللت اسارير الرجل البدين لمراى ضيفه واهتزت طبقات الدهن في جسده وهو يهرول تجاه الباب ..

– معقولة ؟؟!! … ابراهيم ود العمدة ؟؟!! ياخي بيتنا نور … الليلة عيد …

وفي لحظات فُتح القفل وسُحب الجنزير الخانق وهو يصدر طقطقات عالية عند اصطدامه بالجسد الحديدي .. خطا ابراهيم داخلاً وعانق منان بحرارة ادهشتهما معاً ..

– والله ليك وحشة يا منان .. مالك الليلة مقفل بالجنزير ؟؟ عندك شنو ؟؟ معاك منو ؟؟!!

– معاي جادين بس …

توقفت خطوات ابراهيم عن الحركة وبدا يسحب يده من قبضة منان الذي تمسك بها بشدة ..

– روق يا ود العمدة .. انا عارفك الزول دة ما بتدورو .. لكن ما عندك معاهو أي شغلة وهو زاتو ما حيقعد .. جا جاب لي بضاعة ومتخارج طوالي ..حرّم تدخل وتجربها …

حسم الحاح منان تردد ابراهيم الذي شعر بحاجة عقله الماسة الى طعم ورائحة الدخان الازرق .. فدخل الغرفة ليجد نفسه في مواجهة عيني جادين المستديرتين ونظراته الباردة التي تنضح كراهية .. لقد ظل لفترة طويلة يسال نفسه بحيرة عن سر هذه الكراهية … بل حاول ان يزيل اسبابها بالطريقة الوحيدة التي يتقنها فاغدق عليه الاموال والهدايا .. لكن ماله المبذول لشراء الحب تحول الى حطب يغذي نار حقده عليه .. وعندما اصابه الياس منه بادله مشاعره بمثلها لكنها تفوقها سفوراً وقوة .. واصبح الكره بينهما كالظل الاسود الذي يخيم على كل جلسة تجمعهما .. القى ابراهيم التحية على جادين المطرق بتجهم ويتظاهر بالانشغال في اعادة رص قناديل البنقو على طاولة قصيرة امامه .. فرد عليه ببرود ودون ان يرفع راسه … دلت نظرات منّان على حرجه من تصرف جادين العدائي فبالغ في الاحتفاء بابراهيم …

– يا ود العمدة ياخي اشتقنا ليك عديل كدة .. يا زول كيف تقطع مننا قدر ده وانت عارفنا غيابك ما بنحملوا ؟؟!! .. والله انا لولا ظروف بيتكم كنت جيتك .. اها الاهل كيف انشاء الله متصبرين ؟؟ …
اختار ابراهيم كرسيه المفضل وجلس بترفع واضعاً قدم فوق الاخرى لتنتصب مباشرة في وجه جادين الذي امتقع غضباً وتوترت حركات جسده حتى سقطت بضاعته الثمينة من يده وتبعثرت على الارض بفوضى .. كان ابراهيم يراقبه بعيون ضيقة اخفى نظرة الرضا والتشفي الواضحة فيها باسدال رموشه الغزيرة عليها .. لقد كان يستمتع بزرع الغضب داخل جادين محاولاً تعزيز احساسه بالدونية امامه .. الم يرفض ان يبيعه حبه ؟؟!! .. اذن سوف يمنحه كراهيته بلا مقابل .. لم يخف اسلوب ابراهيم المستفز على منّان فسعى لتلطيف الجو بعبارات مجاملة ..

– والله يا ود العمدة المرة دي جادين جاب ( دوكو ) .. منجة بس !! يا زول انا جربتو قبيل وحسيت روحي طاير فوق السحاب .. ايه رايك ؟؟ الف ليك واحدة ؟؟ …

– لا ما تلف لي .. عندي مزاج الف براي .. بس ناولني العدة …

هرول منّان واحضر احدى الطاولات الموزعة في الغرفة ووضعها امام ابراهيم .. وسرعان ما اصطفت على سطحها مختلف انواع علب التبغ وحزمة صغيرة من الاوراق الناعمة وقندول متخم بالحبوب .. كان ابراهيم يتابع حركة صديقه الدؤوبة بلهفة حتى انتهى ..

– شيل البرنسيسة يا منان وجيب لي ورقة بيضا عادية …

– اوووووه .. يا عمنا الظاهر عليك الليلة عندك مزاج ( نقرفة ) عالي ..

وضع ابراهيم الورقة البيضاء في منتصف الطاولة .. اخرج علبه سجائره من جيب قميصه وتناول منها لفافة رفعها امام عينيه ودار بينهما حديث صامت ثم بدأ يضغط عليها برفق من اسفل الى اعلى حتى بدأت حبات التبغ الخشنة تطل براسها من مخبئها الضيق لينزلها بحرص على سطح الورقة .. كرر العملية بصبر حتى افرغ اللفافة من احشائها وحنى راسه على الطاولة متابعاً حركة اصابعه التي تعزل بعض قطع التبغ وتتخلص منها .. عندما انتهى من من عملية الفرز البطيئة حمل القندول ورفعه الى انفه … استنشق منه نفساً عميقاً قبل ان يبدا بفركه بقوة فتساقطت حباته واستقرت مشكلة هرماً صغيراً تخللته انامل ابراهيم الطويلة ومزجته باحتراف حتى تكون الخليط الذي يرغبه .. حمل ورقة اخرى وطواها في شكل قرطاس بفتحة صغيرة اسفله ووضع بداخله مزيجه الغالي ثم بدا يعيده بحرص شديد داخل اللفافة المفرغة .. بعد ان استقرت آخر قطعة في مكانها حمل للفافة بعناية وضربها على طرف الطاولة ضربات سريعة متتالية ثم برم طرفها برقة قبل ان يشعلها ويعيد تموضع جسده داخل الكرسي العريض .. اغمض عينيه واسند راسه الى الخلف وبدأ يعب انفاس عميقة لا يكاد يخرج من دخانها الا اقله … احس بهمومه تتلاشى .. وباحزانه تخرج من جسده وتتراقص حوله كالظلال قبل ان تتبدد في فضاء الغرفة الخانق … لم يعد هناك احساس بالفراغ .. لقد امتلا جوفه بفيضان من الالوان الزاهية .. وبدا يشعر بسعادة كان قد افتقدها منذ زمن طويل .. تراقصت ابتسامة رضا على شفتيه وما لبثت ان تحولت الى ضحكات عابثة .. قاطعها جادين بصوت كالفحيح..

– صحي دنيا دبنقا !! .. ناس تجري وتتعب وتجازف بروحها عشان تجيب البضاعة وناس تلقاها باردة وعلى الجاهز …

رفع ابراهيم راسه من اتكاءته ونظر الى جادين بجفون خاملة .. واتسعت الابتسامة الناعسة وهو يخاطب غريمه باستعلاء متعمد زاده وضوحاً تلاعب الدخان الازرق بخلايا عقله الواهن …

– تعرف يا جادين انك زول حاسد وحاقد ؟؟!! .. انا بس المحيرني انت بتكرهني قدر دة ليه ؟؟ انا عملت ليك شنو ؟؟ .. عرست امك ولا قتلت ليك زول ؟؟ .. ياخي حكمة ربنا اني طلعت غنيان وعندي قروش كتيرة وانت طلعت فقران وعدمان وصرمان .. يعني عاوز تعتطرد على حكمة رب العالمين كمان ؟؟!! ولا عاوز تحاسبه عشان بقاني كدة وبقاك انت كدة ؟؟!! دي حاجة غريبة والله .. ياخي بيّض نيتك شوية يمكن ربنا يفتح عليك …

اصبح جادين صورة مجسدة للغضب فهب واقفاً بعنف .. وخرج صوته زاعقاً حاداً ..

– انا حاقد ؟؟!! .. انت بحسدك ؟؟!! على شنو ؟؟!! عشان غنيان ؟؟ طظ فيك وفي قروشك .. وبعدين مش لمن تبقى قروشك بالجد ؟؟!! هو انت جبتها بضراعك ولا بنفاعك ؟؟ اشتغلتها ولا تعبت فيها ؟؟ انت حيا الله قمت من نومك ولقيت كومك … يعني لو ما قروش عمك انت ما كنت حتسوى بصلة معفنة …

– براحة يا جادين … روّق شوية احسن يطق ليك عرق .. وبعدين ياخي القروش حقتي حقت عمي .. حقت ابوي .. ولا حتى حقت امي .. ما مهم .. المهم انو عندي قروش وقروش كتيرة شديد بقدر اشتري بيها أي حاجة انا عاوزها …

– لو بتقدر تشتري بيها أي حاجة كنت اشتريت بيها رجالة تتم بيها نقصك .. اوعى تكون مفتكر عشان قدرت تغش الناس كلها بعرسك وولادتك حتقدر تعمل فيها راجل عليّ انا كمان ؟؟!! … احنا دافنينو سوا .. وانا عارف قيرك وقعيعيرك .. اها انا ما عندي زي قروشك .. لكن احمد الله انا راجل كامل وما فيني نقص بيحوجني اتدسى ورا العندي ..

احس ابراهيم ببروده يفارقه وبدات الدماء تغلي في عروقه … لقد نكأ جادين جرحه ومكمن وجعه فوقف بعنف في مواجهة خصمه الضئيل ..

– انا راجل غصباً عنك يا كلب .. عاوز تعرف رجالتي ؟؟ تعال هسة اوريك ليها ..

تراجع جادين خطوة الى الوراء وارتفعت ضحكته ساخرة ..

– رجالتك دي وريها للبتشتريهم بقروشك .. انا ما لازماني … وكان انت مقتنع انك راجل زيك زيي واحد .. اريتها الرجالة تطير ..

لم يشعر ابراهيم بيده وهي تصطدم بوجه جادين .. لكنه سمع صوت الآهة التي اطلقها قبل ان تطيح به الضربة ارضاً .. عندما دخل منَان الغرفة فوجئ بمنظر ابراهيم المتحفز وجادين المرمي ارضاً وقد امتلا وجهه بالدماء التي تسيل من انفه وشفتيه …

– بسم الله في شنو يا جماعة ؟؟!! مالكم ؟؟ استهدوا بالله .. الحصل شنو ؟؟!!

قفز جادين من سقطته صارخاً …

– التافه دة ضربني عشان وريتو حقيقتو … لكن والله ما افوتها ليك يا واطي .. وان ما اخدت منك حقي بايدي ابقى صحي انا المرا وانت الراجل ..

بحركة مفاجئة رفع كم جلبابه العريض واستل من حزام جلدي مربوط بذراعه خنجر صغير لامع … وقبل ان يدرك أي منهم خطوته التالية كان السلاح المميت قد استقر في بطن ابراهيم الذي تمايل بذعر وهو يحاول سد الفجوة التي تنزف منها الدماء بغزارة … تسمر منّان في مكانه وحل بالغرفة سكون تام الا من صوت تنفس ابراهيم المتسارع .. عندما استوعب جادين ما فعلته يداه .. رمى سلاحه واطلق ساقيه للريح …

شق حامد طريقه الى داخل الغرفة التي وضع فيها ابراهيم وقد امتلات برجال الشرطة بينما تحلق بعض الفضوليين خارجها .. اخافه شحوب وجه ابن اخيه الذي حاكى لون غطاء السرير القذر .. والتفت الى الطبيب بتساؤل صامت …

– ما تخاف يا حاج حامد حيبقى كويس .. هو فعلا فقد كمية كبيرة من الدم .. لكن قدرنا نلحقو .. ما شاء الله بنيته قوية وحيتحمل .. كلها كم يوم ويرجع لحالتو الطبيعية …

التقط ضابط الشرطة الموجود في الغرفة طرف الحديث وخاطب حامد باحترام ينم عن معرفة سابقة

– معليش يا حاج حامد .. اول ما يفوق حنكون مضطرين نسوقو عندنا .. الموضوع الدور دة ما ساهل ومافي طريقة نلمو زي كل مرة .. دي بقت فيها محاولة قتل .. اضافة لكدة البيت الاتضرب فيهو سيدو تاجر مخدرات معروف وسمعتو زي الزفت .. وعامل بيتو وكر للمنوعات وحاجات تانية كتيرة …ولمن مشينا بعد البلاغ لقينا مخدرات بالكوم … والزول الطعن ابراهيم زاتو تاجر معروف .. الدورية قبضت عليهو في موقف الباصات كان بيحاول يسافر .. واول حاجة قالها انو ابراهيم هو سيد التجارة كلها وهو الممول لنشاطهم … ولو التحقيق اثبت صحة الكلام دة وانو ابراهيم فعلاً متورط معاهم في تجارة البنقو .. حتواجهوا مشكلة كبيرة وصعب يطلع منها .. المرة دي .. حتى انت ما حتقدر تعمل ليهو حاجة ..

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.