حوش بنات ود العمدة – الفصل الثامن عشر

14 ديسمبر 2017آخر تحديث : منذ 3 سنوات
حوش بنات ود العمدة – الفصل الثامن عشر
بقلم: سناء جعفر


جلست محاسن في الكرسي الملاصق لسرير السرة بتوتر تنبئ عنه حركة قدميها المتقاطعتين اللتين تهتزان بعنف .. كانت ملامحها المتجهمة ونبرة صوتها الحادة تدلان على غضبها ..

– اعمل شنو يالسرة ؟؟ .. ابو عمار حلف عليّ طلاق لو ما جيت معاهو نخطب بت نعمات .. لكن انا اصريت اجيك الاول واوريك الحاصل عشان ما تزعلي مني …

نفخت السرة دخان سيجارتها بعصبية تبعتها سعلة قوية .. وعلت وجهها ابتسامة متشنجة ساخرة ..

– شنو قصة حلفان الطلاق الواقعين فيها الرجال ديل اليومين دي ؟؟!! هم قايلين روحهم بمسكونا من يدنا البتوجعنا ؟؟ ومالو الطلاق ؟؟ لا حرام ولا عيب .. الطلاق حق بنات الرجال …

– سجمي يالسرة !! طلاق شنو البتتكلمي عنو بعد العمر دة ؟؟ دي فضيحة تقعد لينا لجنى الجنى .. والناس تقول طلقونا بعد ما بقينا حبوبات .. انا برّيت قسم ابو اولادي وجيت معاهو .. لكن رجلي ما بشيلها اوديها لبيت نعمات .. باقعد معاك هنا عشان اوريها اني ما دايرة بتها .. انا بس لو عرفت قشيرة دي سوت للولد شنو ؟؟!! .. بقى ما شايف غيرها وقال يا هي يا بلاش .. ولا كمان يالسرة ياختي ما شفتي الولد التاني المفعوص المسجم جاني بعد عرس رحمة وقال لي يا امي ما شفتي فاطنة بت ابراهيم بقت سمحة كيف !! عليك الله ما تخطبيها لي .. قلت ليهو والله ياهو الفضل كمان .. دة يكون آخر يوم في عمري كان خليتك تعرس بت حبيبة ..

كانت محاسن تتكلم باندفاع .. لكن نظرة خاطفة الى ملامح السرة انذرتها بالخطر .. فقد تحولت تعابيرها من الغيظ الى الغضب .. ضاقت عيناها وارتفع راسها الى اعلى بتحد … وخرجت كلماتها هادرة لتؤكد انفعالها ..

– محاسن ؟؟ انتي قلتي لولدك ما يفكر يعرس بت ابراهيم ؟؟ ليه ياختي مالها فاطنة ؟؟!! هو انتي اديتي الكبير لبت المرة الخطفت راجلي ومستخسرة التاني في بت ولدي ؟؟!!

– اجي يا يالسرة !! انتي نسيتي امها منو ؟؟ جدها وحبوبتها منو ؟؟ خيلانها منو ؟؟ عاوزاني ادي ولدي لبت الخادم ؟؟ على الاقل بت نعمات حرة ومرة واصلها ما فيهو كلام .. لكن بت حبيبة ..
قاطعتها السرة بحدة جعلتها تبتلع بقية كلماتها …

– هوي يا محاسن هوي … اوعي لروحك وشوفي انتي بتقولي شنو .. فاطنة ما بت حبيبة … فاطنة بت ابراهيم ولد ابراهيم ود حسن الامين العمدة … حبيبة دي قربة وفرغّت … والبيابا بت ولدي الواحد معناها اباني انا زاتي .. يا اختي يا بت امي وابوي يا العاملة فيها متضامنة معاي .. جاية تقولي لي بت نعمات حرة ومرة ؟؟!! .. سمح وقت كدي المقعدك هنا شنو ؟؟ ما تقومي تمشي ليهم …

– انتي بتطرديني من بيتك يالسرة ؟؟ دة جزاي الابيت امشي مع ولدي واول فرحتي عشان خاطرك ؟؟ … سمح ياختي ..كتر خيرك .. لكن انتي ما غلطانة .. انا الغلطانة العملت ليك خاطر اكتر من راجلي وولدي ..

هبت من مكانها بغضب واندفعت خارج الغرفة كالعاصفة وكادت تكتسح في طريقها بلقيس التي انحرفت وهي تجاهد للحفاظ على استقامة كوب العصير بعد ان مال وتدفق محدثاً فوضى في المكان..
– مالك يا خالتي محاسن !! .. ماشة وين ؟؟ …

– ماشة بيت نسيبتي … يمكن تحترمني اكتر من اختي ..

في منزل نعمات امتلات الصالة الفسيحة بالرجال بينما ضاقت غرفة الضيوف بقريبات صاحبة المنزل وصديقاتها .. حول طاولة الطعام في المطبخ جلست نعمات وقد بدت علامات الغيظ والغضب على ملامحها وهي تستمع الى كلمات امها الهامسة ..

– دة كلام دة يا نعمات ؟؟!! .. يجونا اخوات الولد بدون امو وخالاتو ؟؟ انتي كيف توافقي على حاجة زي دي ؟؟ اميرة دي ست البنات على حدهن وتشرف أي راجل واهله .. عشان شنو امو ما تجي ؟؟ قولي الباقيين اصلهم قاعدين تحت جناح السرة وبيخافوا يزعلوها .. لكن الام ما تجي تحضر عقد ولدها ؟؟ غايتو ديل ناس غريبين بالجد … هم قايلين روحهم شنو ؟؟ احسن من باقي الله بشنو ؟؟
ردت شقيقة نعمات بنفس طبقة الهمس ..

– هو انتي زاتك يا نعمات بعد المغصة المسويها ليك حامد.. كيفن تدي بتك لواحد من اهلو ؟؟ مالك ما سمعتي بالمثل البقول كفاية من الدستة مغرفة ؟؟ وديل كمان مغرفتهم سقتك الحنضل .. مش كفاية انو حامد عرس فيك وانتي لسة نفسا ؟؟ مش كفاية الطريقة الاتعاملوا بيها معاكي ومعانا من يوم ما عرستي حامد ؟؟

انطمس الهمس الدائر بينهم بفعل زغرودة منغمة عالية اصابت الجميع بالوجوم …

– دي منو دي البتزغرد بالحماس دة ؟؟

أتت الاجابة من نادية التي دخلت بوجه متهلل …

– أمي … حبوبة .. تعالوا بسرعة دي ام العريس جات …

تبادل الجميع نظرات مشحونة بالدهشة .. نهضت نعمات بتثاقل وخرجت من المطبخ تتبعها امها وشقيقتها .. وما ان وطأت قدماها ارض الغرفة المزدحمة حتى تعالت الزغاريد وبادرتها محاسن بسلام حار ردته نعمات بحرارة مماثلة لا تخلو من التعجب …

– وينها عروس ولدي ؟؟ نادوها لي اسلم عليها ..

تطايرت النظرات بين نعمات ووالدتها التي تنحنحت باحراج قبل ان ترد ..

– معليش يا محاسن .. ما جهزنا اميرة لقعدة برة عشان الموضوع جا سريع …

– أجي !! يعني ما حشوف عروس ولدي ؟؟ دة كلام شنو دة يا نعمات ؟؟ وروني مكانها وانا بمشي ليها بنفسي ..

في لحظات اندفع فوج من النساء تتقدمه نعمات قاطعاً الصالة وسط دهشة الرجال الموجودين .. فوجئت اميرة بباب غرفتها يفتح وغابة من الاذرع تمتد اليها وتنقلها من شخص لآخر بينما صمّ صدى الزغاريد اذنيها … في الخارج تعالت طلقات الرصاص لتعلن انتماء اميرة لعمار رسمياً …

بعد ان انفض الجمع وخلا المنزل من زوراه .. جلست اميرة في غرفتها هائمة تعبث بخصلات شعرها الناعمة .. ويعبث بها خيالها وقد اكتسحتها سعادة عميقة وتفجرت احساسيها المكبوتة تجاه عمار لتغمرها بفرح لم تظن انها سوف تشعر به يوماً .. ارتسمت ابتسامة عريضة على شفتيها تراقصت على اثرها غمازتيها وتعمقتا في خديها لتضفي على وجهها الفاتن سحراً مشرقاً … عندما دخلت نادية ونظرت الى شقيقتها … احست بحسرة تغمرها لعلامات الرضى والسعادة المرتسمة على ملامحها … وتذكرت يوم زواجها من زاهر .. كان مليئاً بالخوف والتوجس … حفه الصمت وغاب عنه ضجيج الفرح فلم تسمع صدى زغرودة تطرق اذنيها .. وتوارت فرحتها خلف القلق العميق الذي انتابها بسلامة تصرفها .. لكنها لم ولن تشعر بالندم على قرارها .. زاهر هو رجلها وحب حياتها .. معه تحس بانوثتها كما لم تشعر بها مع احد آخر .. وهو يعاملها كأنها اميرة متوجة على عرش النساء … لن تخذله ابداً .. وستحارب من اجله ان استدعى الامر …

– مبروك يا اميرة … ربنا يتمم ليك على خير …

احتضنتها بشدة .. وترقرقت عيناها بالدموع عندما اتاها الرد التلقائي ..

– الله يبارك فيك يا نادية … عقبالك …

ابتعدت عنها نادية وهي تنظر اليها بحزن ..

– انا معرسة يا اميرة … ولا انتي نسيتي ؟؟!! ..

اختفت كل علامات الرضى والسعادة من وجه اميرة وحلت محلها تقطيبة ضيق عميقة .. انحبست انفاسها عندما عاودتها ذكرى ذلك المشهد المخزي الذي بذلت المستحيل كي تنساه .. لكنه ظل يطفو على سطح ذاكرتها بقسوة وعناد متحديا ارادتها …

– نادية !! انا مش قلت ليك كلمي امي ؟؟ ما كلمتيها لغاية هسة ليه ؟؟ انا اديتك فرصتك كاملة عشان الكلام يجي منك ما يجي مني انا .. لكن بعد دة ما حتستر عليك .. وحكلمها… انتي يا بت ما قادرة تستوعبي حجم الشئ الانتي عملتيهو ولا ما مقدرة نتائج تصرفك دة ممكن تكون شنو ؟؟!! …

همست نادية بخجل بعد ان لطمتها هي الاخرى ذكرى المشهد الذي وجدتها فيه شقيقتها …

– ما تخافي ما حتكون في نتايج .. حالياً على الاقل .. انا وزاهر متفقين .. وهو عامل حسابو كويس ..

اعتراها قلق قوي بعد ان نطقت كلماتها .. دخول اميرة المفاجئ اتى في لحظة حرجة … لحظة كان زاهر يجد صعوبة في التحكم فيها حتى في الاوقات العادية .. لكنها في تلك الليلة حدث شئ لم تعتده في لقاءاتها السابقة مع زوجها … شئ لم تفكر فيه وقتها لاحساسها بالخوف والحرج وانشغالها بتبرير موقفها .. لكن بمرور الايام تزايد قلقها ولم تجرؤ على سؤال زاهر عما حدث في المكالمات التلفونية المختلسة التي كانت تجريها عندما تضمن خلو المنزل من الجميع .. اصبح مرور الايام كابوس يجثم على صدرها ويخنق انفاسها … وبات العد هوايتها المرعبة … عندما تم ذلك اللقاء المشئوم كان قد مر اسبوع على انقضاء دورتها الشهرية .. والآن شارفت الاربعة اسابيع على الانتهاء .. الايام القليلة القادمة ستحدد صحة مخاوفها من عدمها … لم تعد تملك غير الدعاء لله بان لا يكشف سترها … اخرجها صوت اميرة الممتعض من افكارها المتلاطمة ..

– نادية !! انا ما بتكلم عن حمل مع انو بعد الشفتو اليوم داك حيكون احتمال وارد .. انا هسة بتكلم عن فضيحتنا قدام الناس لمن يعرفوا انتي عملتي شنو … عٌرفي يا نادية ؟؟!! انتي يا بت ود العمدة تعرسي عُرفي ؟؟!! .. بالدس وكانك بتسرقي ؟؟!! ومنو ؟؟ واحد نكرة .. لا اصل ولا فصل ولا اسم يشرف … واحد اكتر شئ كان ممكن يوصل ليهو في الظروف العادية انو يشتغل عند ابوي في الدكان …

– أميرة !! .. انا قلت ليك قبل كدة ما تتكلمي عن زاهر بالطريقة دي .. دة راجلي وانا باحبه … هسة انا لو اتكلمت ليك عن عمار بالطريقة دي بترضي ؟؟!!

– تتكلمي عن عمار ؟؟!! هو عمار فيهو حاجة تتكلمي عنها … وهو اصلاً في مقارنة بين عمار وزاهر بتاعك دة ؟؟!!

– ليه مافي مقارنة يا اميرة ؟؟ راجلي ناقصو شنو من راجلك ؟؟!! .. زاهر شاطر واول دفعتو كل سنوات دراستو في الجامعة … وظيفتو مضمونة اول ما يتخرج .. انسان خلوق وشهم وحنين وبيحبني عشاني انا .. لشخصي … مش عشان انا نادية بت حامد الامين ود العمدة .. ولعلمك .. زاهر من اسرة كبيرة ومحترمة في منطقتهم .. يعني ما زول أي كلام زي ما انتي متخيلة ….

– كلام جميل يا نادية .. لكن هل انتي مقتنعة بيهو ؟؟ واذا كنتي مقتنعة بيهو.. ليه عرستي بالدس .. ما كان تخلي يجيب اهلو ويجي البيت .. يقابل ابوي ويطلبك منو رسمي !!
تدافعت الدموع من عيني نادية وهي تستمتع الى لهجة اميرة المهينة بحقها وحق الرجل الذي تحبه ..

– تعرفي يا اميرة قدر ما اقول ليك انا مخذولة فيك قدر شنو ما حتتخيلي .. طول عمري كنت قايلة عقلك كبير وفهمك واسع وبيتخطى عمرك … كنت قايلاك انسانة واعية ومثقفة ومنفتحة .. كنت قايلة قلبك كبير وبتعرفي يعني شنو انك تحبي انسان ويبقى دنيتك كلها … كنت معتمدة عليك تقيفي معاي وتسنديني لمن احتاج ليك .. لكن للاسف طلعتي قاسية وقلبك بتحكمو افكار عنصرية تافهة عن لون وجنس وقبيلة .. زيك زي أي واحدة جاهلة مخها ضيق ومتبنية تفكير امها وحبوبتها …

انخرطت نادية في نحيب متالم جعل اميرة تحس بالذنب لبرهة .. ثم عاودتها ذكرى المشهد المخجل ونظرات زاهر المتحدية .. فغاب تعاطفها الهش في التو واللحظة …

– اسمعي يا نادية … ما تفلسفي الامور وتحاولي تطلعي نفسك صح والعالم كلو غلط … انا بعرف حاجة واحدة بس .. الصح ما بتعمل في الضلمة وبالدس .. الصح ما بيخجَل ولا بيحرج .. الصح بيكون في النور .. قدام العالم كلو … الصح زي العملوا عمار لمن جا لابوي وطلب يتزوجني والناس كلها عرفت … اسالي نفسك اذا انتي فعلاً صح ليه حاجاتك كلها مدسوسة ؟؟ !! …شوفي يا نادية انا باحذرك للمرة الاخيرة … لو ما كلمتي امي انا حكلمها …

– تكلميني بشنو يا اميرة ؟؟ …

صدرت شهقة مشتركة من الفتاتين الغافلتين عن وجود نعمات … تجمدت حركتهما واصبحا تمثالين بعيون متسعة خائفة …

– اميرة … انطقي سريع … تكلميني بشنو ؟؟ .. اختك عملت شنو وداسيين مني ؟؟

جاوبها صمت اميرة ودموع نادية الغزيرة …ارتفع صوت نعمات بشكل هستيري وهي ترى حال ابنتيها الغريب …

– قسماً عظماً لو ما اتكلمتوا سريع الا ارسل اجيب ابوكم واخلي هو يتصرف معاكم .. اتكلمي يا نادية في شنو ؟؟ … عملتي شنو ؟؟

لم تستطع نادية مواجهة الموقف فركضت خارجة بعد ان تملصت من محاولة نعمات للامساك بها بقوة غريبة امدها بها خوفها ..ووجدت اميرة نفسها وحيدة في مواجهة عيني امها اللتين تطلقان شررا ينذر بالخطر …

– امي .. عليك الله اهدي .. انتي زولة ست عيا والانفعال ما كويس عشانك … انا بحكي ليك بس لازم تروقي وتسمعيني براحة .. الموضوع عاوز هدوء لانو أي جوطة فيهو حتعمل لينا فضيحة …
انتفضت نعمات وشهقت بقوة …

– سجمي فضيحة ؟؟ فضيحة شنو يا اميرة ؟؟ اختك عملت شنو ؟؟

تكلمت اميرة بصوت منخفض وهي تنتقي عباراتها .. حكت لامها عن الخطوط العريضة دون ان تخوض في التفاصيل .. عندما صمتت اخيرا وهي تهنئ نفسها على لباقتها ورفعت عيناها لتنظر الى رد فعل امها … فوجئت بها تتهاوى ارضا كقطعة طوب … تعالت صرخاتها مدوية فشقت سكون الليل وفي لحظات امتلا المنزل بسكان الحوش الكبير فيما عدا السرة التي كانت تشعر باعياء شديد لم يمنعها من اطلاق تعليقها الساخر ..

– تلقاها ما اتحملت فرحة بتها العرسها زينة شبابنا … الله يشيلها هي وبتها في يوم واحد عيلة خطافين رجال …

عج المستشفى الخاص باسرة ود العمدة التي رافقت نعمات الغائبة عن الوعي … وقف حامد يستمع الى الطبيب بانزعاج …

– للاسف يا حاج حامد .. الارتفاع المفاجئ في الضغط عمل جلطة .. الكويس انكم جبتوها سريع … احنا حالياً سيطرنا على الضغط ….ونأمل انو الجلطة تكون خفيفة وآثارها بسيطة …لكن ما حنقدر نعرف حجم الضرر الحصل الا لمن تفوق .. واحنا هسة اديناها مهدئ عشان تنوم اطول فترة ممكنة لغاية ما الضغط ينزل لمستواه الطبيعي يعني لبكرة انشاء الله بتتضح الرؤية .. عشان كدة انا باقترح عليكم كلكم ترجعوا البيت وتخلوها لينا وما تخاف حتكون في ايدي امينة وانا بنفسي حأشرف عليها .. وبعدين هي اصلاً ما واعية بوجودكم .. يعني قعدتكم ما عندها معنى غير التعب ليكم .. وبصراحة اللمة والازعاج ما كويس عشانها وكلما قل عدد الناس الحواليها يكون احسن

– خلاص انا بقعد معاها والباقيين يمشو … ابراهيم .. سوق اخواتك وارجع البيت ..

تصاعدت جمل محتجة هنا وهناك .. واصوات باكية تطالب بالبقاء تكفلت ضربة غاضبة من عصا حامد على الارض باسكاتها .. وتبع الجميع خطوات ابراهيم العجولة خروجاً ..وقبل ان تختفي اميرة خلف الباب التفتت الى والدها برجاء …

– ابوي انا حجي بكرة الصباح بدري ..

اجابها بشرود ..

– اتصلي براجلك وخلي يجيبك … وانت يا ابراهيم امشي السوق واقعد في المحلات لغاية ما انا ارجع…

ادار ظهره واتجه الى غرفة زوجته .. دخل واغلق الباب بحرص .. وقف طويلاً يتامل الاجهزة التي تحيط بها وترسل اشارات منتظمة الى الشاشة المثبتة اعلى راسها .. حمل كرسي صغير من احدى الزوايا ووضعه بالقرب من سريرها وجلس بتعب ينظر الى ملامحها الشاحبة .. احس بالعطف المخلوط بالذنب تجاهها .. لقد ادرك منذ اول ليلة لزواجهما مدى حبها له عندما منحته جسدها واحاسيسها بلا قيود …. لقد حاول ان يبادلها مشاعرها برغم اعترافه لنفسه بانه لم يتزوجها لانه احبها .. لقد اعجبته انوثتها المتدفقة ودلالها … ارضى غروره انبهارها الواضح به …شجعه على الارتباط بها رغباته التي نضجت بمرور الايام ولم تعد السرة قادرة على اشباعها … ودفعته اليها امنيته بالحصول على الولد الذي عزّ حضوره .. كما كان يامل ان يغرق فيها وينسى حبه لامونة …

لكن بعد مرور عدة اشهر ايقن ان محاولاته للنسيان قد عمقت حبه اكثر للمراة الوحيدة التي عرف معها معنى الحب الحقيقي … كان قد اعتاد تنسم اخبارها بسرية تامة .. وكما اعتاد ان يحتفل مع نفسه بكل نجاحاتها منذ الشهادة الثانوية وحتى تخرجها من الجامعة .. ظل يشعر بالفخر لتفوقها .. وبفرحة انانية كلما سمع عن رفضها لمن يتقدم طالبا يدها … وعندما وافقت على الارتباط باحد زملائها في العمل بعد سنتين من تخرجها .. ركب سيارته وسابق بها الريح تجاه القرية … وفي منتصف الطريق بدات التساؤلات تغزو عقله عن حكمة تصرفه .. كان مدركاً بان امونة سترفض الزواج ان هو طلب منها ذلك ولكن ماذا بعد ؟؟!!.. هل يرغب حقاً في ان يراها وحيدة وتعيسة حتى نهاية حياتها ؟؟!! … لقد ضحت به وبحبها الكبير له من اجل استقرار اسرته .. هل يكافئها بطلب اناني يحكم عليها بالعنوسة الى الابد ؟؟ .. عندما توالت الاجات الرافضة لانانيته ادار مقود سيارته وعاد ادراجه … في تلك الليلة دهشت السرة من عنف زوجها ورغبته المتوهجة وقد اعتادته عجولاً ..هادئا وروتينياً … كان يفرغ شحنات انفعاله في جسدها المستسلم .. وكعادته في لحظة اكتفاؤه .. نطق باسم امونة بصوت حزين مبحوح …

في ليلة زفافها هرب الى ملجاه المفضل .. جلس في منطقة منعزلة امام النيل وبكى بحرقة .. ومثّل خبر سفرها مع زوجها المبعوث الى الخارج عزاؤه الوحيد .. فهو لم يكن يثق في نفسه وردة فعله إن رآها وقد اصبحت ملكاً لرجل آخر … .. خلال السنوات التالية انعدمت أي فرص لقاء بينهما خصوصا بعد ان اختار زوجها البقاء في غربته عندما حصل على عرض مغر من احدى الجامعات هناك … كانت تحضر الى الوطن في اجازات متباعدة … ولم يلتقيا الا بعد عشر سنوات من زواجها عندما حضرت لوفاة والدتها … كان قوامها النحيل قد اذداد بضعة كيلوجرامات تشكلت في استدارات ناعمة زادتها جمالاً وانوثة … بينما احتفظ وجهها بملامحه الطفولية الآسرة التي تحتل ذاكرته باصرار عنيد … ارتعشت يداه المرفوعتان لقراءة الفاتحة امام وجهها .. وعندما احتضن كفها الرقيق بكلتا يديه وغاص واستكان بدعّة بين كفيه العريضين احس بدوار يكتنفه .. واحتبست انفاسه في حلقه .. هربت منه الكلمات وظل يحدق في تفاصيلها الدقيقة بشوق جائع وهو يتنسم رائحتها العطرة .. كانت هي تتامله بارتباك ونظرة غامضة تراود عينيها الحزينتين … عندما تحرر الكلام السجين من بين شفتيه .. ادهشته العبارة التي خرجت منه دون ان يملك السيطرة عليها ..

– نسيتيني يا امونة ؟؟!! …

شحبت من وقع سؤاله .. لكنها اجابته بهمس ناعم …

– انساك يا حامد ؟؟!! الظاهر انت النسيت !! … نسيت الكلام القلتو ليك آخر مرة لمن اتلاقينا في المستشفى ؟؟ قلت ليك انت زي دمي الجاري في عروقي .. زي دقات قلبي زي نفسي الطالع من صدري .. عمرك سمعت بدم نسى يجري ؟؟ ولا قلب نسى يدق ؟؟ ولا نفس نسى يدخل ويطلع ؟؟ وقلت ليك كمان مافي راجل ولا مرة بيقيفوا بيني وبينك .. لانو البيني وبينك دة لا بتغير ولا بتاثر ولا بنتهي …
خنقتها دموعها فصمتت .. لم يدر هل تبكي امها .. ام تبكي روحها .. ام تبكيه هو .. لكنه احس بفرحة كانت قد غادرته منذ سنين …

– عارفة يا امونة .. كلامك دة حيبقى لي زاد لغاية نهاية عمري …

خرجا من حالة السحر التي غلفتهما بصراخ نسوة اتين ليقدمن واجب العزاء للابنة المكلومة .. وانعدمت فرصة لقاء آخر حتى عادت الى زوجها وحياتها البعيدة عنه … مرت السنوات وهو يحمل كلماتها تميمة فرح يتحسسها كلما عصفت به الالام .. وعندما سمع بنبأ وفاة زوجها في حادث سيارة نجت منه هي بجروح استدعت شهور من العلاج في مهجرها قبل عودتها الى الوطن كان احساسه مزيج من الحزن والفرح … اخيراً اصبحت حبيبته حرة .. ويستطيع الارتباط بها بعد ان تحرر هو ايضاً من وصاية الكل عليه … تكررت زياراته للقرية واصبحت رعايته لابنة خالته الارملة امراً طبيعياً ولا يثير التساؤل .. وعندما طلبها للزواج قوبل بترحاب من اشقائها الغارقين في حياتهم والراغبين في التخلص من عبء رعاية شقيقتهم الارملة … ملاته سعادة لا توصف .. وعاد ذلك الفتى العاشق الذي يجهز نفسه للزواج بحبيبته .. رسمت امونة خارطة بيتها بنفسها .. وانتقت كل قطعة اثاث على ذوقها .. فاصبح البيت الصغير جنته .. حاول ان يكون عادلاً بينها وبين زوجتيه … قسم ايام الاسبوع بينهم بالتساوي .. واضاف اليوم المتبقي لايامها .. كان يرى علامات التانيب والغيظ والغيرة في وجهي نعمات والسرة كلما ذهب لاحداهما .. لكنه لم يهتم .. لقد ارضى الجميع لفترة طويلة .. وحان الوقت ليرضي نفسه .. اصبحت غرف نوم نسائه الاخريات مكان لاداء الواجب .. بينما صارت غرفة امونة هي العش الذي يحتضن حبه ويجعله متلهفاً للعودة اليه كلما غاب عنه … احياناً كانت تدفعه غيرته من ماضيها لسؤالها عن زوجها المتوفي .. خصوصاً عندما تجمعهما اللحظات الحميمة وتناوشه ذكرى آخر منحته نفسها قبله .. وكانت دوماً تجيبه بابتسامة حانية متفهمة يتبعها صمت يحرق روحه ويقض مضجعه ..
في احدى المرات التي تكور فيها في صدرها كقط كسول بعد وجبة دسمة سالها بغيرة ملحة ..

– امونة ؟؟ كنتي بتحسي معاهو بنفس الاحساس المعاي دة ولا اكتر ولا اقل ؟؟ … وما تتهربي من الاجابة زي كل مرة .. قولي وانا ما بزعل مهما كان ردك …

كانت لحظتها تعبث بخصلات شعره الناعمة بحنان وشغف .. فتوقفت يدها عن الحركة .. وعندما رفع اليها نظرات متسائلة وجد عيناها تتأملانه بحزن افزعه …واتى صوتها الخفيض ليعمق ندمه على الحاحه …

– يا حامد المرحوم كان طيب شديد .. كفاية انو عرف من اول يوم انو في انسان تاني جوة قلبي .. واتقبل الوضع دة بكل هدوء وتفهم .. عمرو ما طالبني بشئ اكتر من الاديتو ليهو لانو كان متاكد اني مخلصة ليهو ولحياتي معاهو .. واني حافظاهو في بيتو وشرفو .. كان عارف انو الجواي دة شئ اكبر مني ومنو ومن زواجنا زاتو .. انا عملت كل البقدر عليهو عشان اسعدو واريحو .. وهو مقدر الشئ دة .. ولو بتسالني عن احساسي كان شنو في لحظة زي دي ما حقول ليك غير انو الشئ البحسو معاك ما حصل حسيتو في حياتي كلها …

انقبض قلبه عندما راى دموعها .. احتضنها معتذرا وجففها لها بشفتيه المتعطشتين دوما لعصير عينيها المالح … بثها حبه واعتذاره فعلاً لا قولاً .. وانتشى بالاصوات الصغيرة التي كانت تصدرها وتعبر بها عن رضاها … وكانت تلك آخر مرة يحس فيها بالغيرة من شبح زوجها الراحل .. مضت ايامه معها بمذاق الشهد حتى ظن ان لاسعادة اكبر من تلك التي يعيشها الآن … حتى تلك الليلة .. كان متوسدا صدرها في رقدته المعتادة الوادعة بين ذراعيها عندما همست في اذنه …

– حامد … بكرة عاوزة امشي الدكتور ..

انتفض ونظر اليها بذعر ..

– دكتور ؟؟!! ليه يا امونة ؟؟ مالك حاسة بشنو ؟؟

كان محتارا من لمعة السعادة في عينيها والابتسامة المتراقصة على شفتيها …

– لا ابدا ً ..محتاجة اتاكد من حاجة .. ما تخاف …

– ما اخاف ؟؟!! كيف يعني ما اخاف ؟؟ امونة انتي عارفة انا ما باحمل فيك شئ ؟؟ قولي لي حاسة بشنو ؟؟ لو في حاجة واجعاك نقوم هسة نمشي الدكتور ..

– نمشي وين نص الليل يا راجل ؟؟ وبعدين انا مافي حاجة واجعاني .. انا بس (غابّة) لي اسبوعين ..

لم يستوعب في البدء المعنى الخفي لكلماتها .. وظل ينظر اليها ببلاهة في انتظار بقية تفسيرها وقد ازدادت دهشته من ضحكاتها المكتومة التي جعلت جسدها يرتج باغراء بين ذراعيه .. ثم بدات المعاني تتسلل ببطء الى عقله … وفي لحظة انفجر بداخله نور غمر مكامن ادراكه واضاء وجهه فخرجت منه شهقة لا ارادية وسال بصوت تجاور فيه الرجاء مع عدم التصديق …

– امونة … انتي حامل ؟؟!! …

لم يكن قد فكر منذ زواجهما في امكانية حملها باعتبار السنوات الطويلة التي قضتها مع زوجها بدون انجاب .. في واقع الامر لم يكن يهتم .. فزواجه بامونة لم يكن من اجل انجاب مزيد من الابناء .. لقد تزوج بها لاجلها هي .. لا يحتاج لغير وجودها … فهي الحبيبة والابنة والام وكل ما يرغب فيه في حياته .. لكن فكرة حملها لطفله جعلته يحلّق من السعادة .. انهال عليها تقبيلاً حتى كاد يخنقها بعناقه وهي تضحك بحبور لتصرفاته .. اخيرا عندما استطاعت الكلام اتى صوتها جاداً ..

– حامد .. كدة خلينا نمشي الدكتور اول ونتاكد .. ممكن ما يكون حمل .. احتمال اكون خلاص قطعت عشان كدة دورتي ما جات ….

في عيادة الطبيبة جلس حامد وهو يشعر باضطراب في معدته وقلق شديد عبرت عنه دقات عصاته المتواترة على الارض …

– مبروك يا حاج .. المدام حامل …

نزلت كلمات الطبيبة بردا وسلاما على قلبه الملهوف … احس وكانه يبشر باول طفل في حياته … وغرقت امونة في بحر من الدلال طيلة شهور حملها التي مرت كالحلم .. وكانت خلالها تزداد جمالاً كلما انتفخ بطنها .. واختل ميزان العدل لدى حامد الذي اصبح يقضي معظم وقته في بيت حبيبته متجاهلاً غضب السرة وثورة نعمات … كان يقيس تقدم حملها بيديه ومشاعره التي تأججت حتى لم يعد يحتمل فيضانها … احس كأن الدنيا قد ضحكت له أخيراً بعد طول عبوس … طارت الايام وتبعتها الشهور وحمل امونة يتقدم بسلاسة … عندما حان موعد ولادتها اصبح حامد كطفل صغير يترقب حلول العيد … وٌلد الامين في ظهر يوم صيفي حار .. ونحرت لمقدمه ست عجول وعشرات الخرفان ووزعت بسخاء على المساجد وبيوت الفقراء … كان حامد يعيش حالة من عدم التصديق لمقدم الولد الذي تمناه طيلة عمره من المراة التي يعشقها …

عندما اكمل الامين اسبوعه الاول .. توفيت امونة بعد ان باغتتها حمى نفاس غادرة ظلت تصارعها لمدة ثلاثة ايام قبل ان يستسلم جسدها النحيل لترحل مخلفة وراءها زوجاً على حافة الجنون ورضيع رفض تقبّل غياب امه فقرر اللحاق بها بعد عدة ايام .. بكى حامد كالنساء وتحول الى شبح حزين غاضب .. عافت نفسه الاكل والشرب والكلام … قضى ايام العزاء شارداً في عالم آخر لم يستطع أي كان اختراق اسواره .. بعد انفضاض الجمع انزوى في احدى الغرف البعيدة معتزلاً الجميع … خرج بعد شهر وقد تغير كل شئ فيه الى الابد … بدأ وكأن عمره قد زاد عشرون سنة دفعة واحدة فقدت عيناه بريقهما المعتاد .. واكتست تعابيره بجمود مخيف .. لم يعد يحتمل البقاء مع الناس .. قام ببناء غرفة ملحقة بالديوان خارج المنزل ومنع الكل من دخولها … اصبح عالمه محصوراً بينها وبين بيت حبيبته الراحلة الذي خصص له خادمة تقوم بتنظيفه يومياً .. اضاءة الانوار واطلاق البخور .. اصبح المكان مزاراً يهرب اليه كلما احرقه الشوق .. يجلس طويلاً مع امونة ..يقص عليها احداث يومه ويبثها لوعته على فراقها الذي احرق روحه وجعلها رماد .. ويبكي بوجع غدر القدر به للمرة الثانية..

استيقظت نعمات ونظرت حولها بدهشة .. في البداية لم تستطع تحديد مكان وجودها .. ادارت راسها بتعب لتفاجأ بوجود حامد جالساً في كرسي بالقرب من سريرها .. كانت عيناه المغمضتان وراسه المستند على ظهر الكرسي تدلان على نومه .. على ضؤ الغرفة الشاحب رات نعمات اللمعة على خديه النحيلين .. اغمضت عينيها وفتحتهما مرة اخرى .. فوجدت ان دموع زوجها لم تكن وهماً ولا خيالاً .. اجتاحتها فرحة عارمة انستها سبب وجودها في هذا المكان .. يكفيها ان حامد بقى بقربها طيلة الليل .. وانه قلق لاجلها حد البكاء .. فهي لم تره يبكي الا لاجل امونة .. وبكاؤه من اجلها يعني لها الكثير .. نادته بصوت متحشرج ..

– حامد … حامد ..

عندما لم يتجاوب مع صوتها الضعيف حاولت ان ترفع يدها لتهزه قليلاً .. لكن يدها رفضت ان تطاوعها .. احست بها ثقيلة كالحجر وملتصقة بالفراش .. انتأبها الفزع وحاولت مرة اخرى .. ومع كل فشل كان فزعها يزداد .. بدات تنتحب بصوت عال ايقظ حامد من حلمه التعيس عن وفاة امونة ركض خارجاً وطلب الطبيب الذي اتى مسرعاً …

– دي نتيجة متوقعة بعد الارتفاع المفاجئ في الضغط وبالصورة دي .. لكن ما تقلقوا دي مرحلة مؤقتة وانشاء الله كل شئ يرجع مع العلاج الطبيعي ..

رفضت نعمات البقاء في المستشفى واصرت على العودة الى بيتها فامتثل حامد لرغبتها ورتب لحضور اختصاصي العلاج الطبيعي الى البيت يومياً .. في اسبوعها الاول كان التقدم بطيئاً لكنها استطاعت تحريك يديها بعناء .. ساد البيت جو من الحزن الممزوج بالخوف .. واصبحت نادية كالشبح الهائم وهي تحوم خارج غرفة امها التي رفضت رؤيتها ومنعتها من الدخول اليها .. كان الاحساس بالذنب يفتك بها ..ففرضت على نفسها سجناً اختياريا وامتنعت عن الخروج من المنزل بتاتاً اتصلت بزاهر واخبرته في مكالمة هاتفية قصيرة عن الاحداث التي تلت معرفة امها بزواجهما وقرارها بالامتناع عن الحضور الى الجامعة حتى شفاء والدتها … لم تفلح كل محاولاته لثنيها عن نيتها فطالبها بان تتصل به كلما واتتها الفرصة … لكن وجود والدها المستمر بالبيت اضافة الى سيل الضيوف الذي لم ينقطع جعل معاودة الاتصال مستحيلة خصوصا بعد ان امرت نعمات بوضع الهاتف في غرفتها … كان مرض امها ورفضها رؤيتها يذبحها ويشعرها بفداحة ما ارتكبته … اعتادت على تحين فرص نومها لتتسلل على اطراف اصابعها وتتاملها بحزن … تنسحب بسرعة عندما يهدد بكائها المكتوم بفضح وجودها .. فتهرب الى غرفتها لتجلس وحيدة وهي تعاني خوفها من مستقبلها المظلم ..

في الاسبوع الثالث بدات حركة نعمات تزيد .. وبشرها الاختصاصي بان استجابتها للعلاج جيدة وقد تنقضي فترة قصيرة حتى تعود الى طبيعتها … كانت تحس بالملل من البقاء وحيدة في وضع ثابت لا يتغير .. فرفعت صوتها منادية …

– اميرة … يا اميرة ..

ظهرت هادية في فتحة الباب وسالت امها بحنان اصبح سمتها منذ مرض امها …

– عاوزة حاجة يا امي ؟؟ اميرة دي مشت تشوف حبوبة العينة قالوا عيانة شديد ومودينها المستشفى ..

ابتسمت لها بفرح وهي تفكر بان مرضها ثمن بخس تدفعه لاستعادة حب ابنتها المتمردة ..

– تعالي يا هادية اسنديني .. عاوزة اقعد شوية ضهري وجعني من الرقدة الكتيرة .. نادية وين ؟؟ ..

– نادية ساكنة جوة الحمام من صباح الرحمن !! ..

رفعت نعمات راسها بحدة للجملة التي نطقتها هادية بلامبالاتها المعتادة

– ساكنة جوة الحمام ؟؟!! …. بتعمل شنو ؟؟ بتستحمى يعني ولا شنو ؟؟!! …

– والله ما عارفاها يا امي .. لكن زي سمعت صوتها بتستفرغ .. ولمن سالتها قالت مافي حاجة …

احست نعمات بتنميل في راسها وبرودة في اطرافها وموجة دوار تهاجمها ..

– اديني حبة الضغط سريع يا هادية .. اهي العلبة الفي راس الكمودينو دي وامشي نادي لي نادية ..

وضعت الحبة تحت لسانها … اغمضت عينيها واسندت راسها على الوسادة وهي تدعو في سرها ان يكون ما خطر ببالها مجرد وهم صوره لها عقلها القلق .. لكن هيئة نادية التي دخلت الغرفة بخطوات مترددة اكدت ظنونها … كانت تبدو مخيفة بوجهها الشاحب ودوائر سوداء عميقة تحيط بعينيها .. فقد شعرها الطويل حيويته ولمعانه وتدلى باهمال وراء ظهرها .. برزت عظام كتفيها اعلى جسدها الهزيل .. تاملتها نعمات بدقة من راسها وحتى اخمص قدميها .. لمعت في عينيها نظرة ادراك خبيرة رفعت صوتها المحبط وامرت ابنتها الصغرى ..

– هادية .. اطلعي واقفلي الباب وراك .. اقعدي في الصالة وما تخلي أي زول يدخل علينا الا اميرة .. فهمتي ؟؟ ..

– طيب ولو ابوي جا يشوفك اقول ليهو شنو ؟؟!! ..

– قولي ليهو راسي وجعني شديد وبلعت حبوب وما عاوزة زول يزعجني ..

رمقتهم هادية بنظرة مليئة بالتساؤل ثم استدارت خارجة واغلقت الباب خلفها بهدؤ ..

بدات نادية ترتجف بعنف وسالت دموعها غزيرة امام النظرات الغاضبة المتهمة ..

– تعالي اقعدي في الكرسي الجنبي دة ..

اطاعتها بخوف وبدات تتكلم بصوت مهتز تقطعه تشنجات البكاء …

– امي عليك الله ما تنفعلي .. كل الانتي عاوزاهو بسويهو ليك .. انا حتى الجامعة ما مشيت من يوم ما انتي رقدتي ولو عاوزاني اخليها خالص بخليها .. حاعمل أي شئ بس انتي ترضي علي .. انا ما بتحمل غضبك …

قاطعتها نعمات بسؤال مباشر …

– انتي حامل مش كدة ؟؟..

بهتت نادية ونظرت الى وجه امها الجامد بعينين متسعتين .. ثم عجزت عن مواجهتها فاطرقت بحرج وهي تتمنى لو تنشق الارض وتبتلعها …

– اتكلمي يا بت .. آخر مرة دورتك جات متين ؟؟ وهسة متاخرة كم عن مواعيدها ؟؟ ..

– مر شهر وشوية من آخر مرة جاتني …

انقطع الحوار المؤلم بفعل طرقات ناعمة على الباب فتح على اثرها وظهر راس اميرة التي وقفت تتامل المنظر بحيرة .. فوالدتها رفضت كل محاولات نادية للاعتذار ومنعتها من دخول غرفتها .. جلستهما الآن سوياً لا تبشر بخير ..

– ادخلي يا اميرة واقفلي الباب .. تعالي جيبي التلفون واتصلي لي بامي …

كانت يد نعمات بالكاد تقوى على رفع سماعة الهاتف .. خرج صوتها خشنا ومبحوحاً وهي تخاطب والدتها …

– امي .. عاوزة اجي اقعد عندكم كم يوم .. لا ما براي .. انا ونادية لكن ما عاوزة أي زول يعرف اننا عندكم ..

كان الصوت من الطرف الآخر ينبعث عالياً ومنزعجاً ليبدد صمت الحجرة اثناء سكون نعمات …

– لا يا امي ما اتشاكلت مع حامد ولا السرة ولا مع أي زول تاني .. بكلمك بالموضوع لمن اجي .. وزي ما اتفقنا .. مافي جنس مخلوق يعرف اننا عندكم ..

عندما انهت المكالمة كانت في عينيها نظرة غريبة .. ومصممة ..

– وينها ورقة الزواج العرفي بتاعك ؟؟ ولا كمان مافي ورقة وعرستي شفهياً ؟؟ ..

قفزت نادية من جلستها بلهفة ..

– في ورقة يا امي .. انا وريتها لاميرة وكمان كان في شهود حاضرين لمن عملناها ومضوا فيها .. دقيقة اجيبها ليك تشوفيها …

– خليك قاعدة قبلك … امشي يا اميرة جيبيها …

كانت اميرة تراقب تصرفات والدتها باستغراب حقيقي … فهي لم تكن تتوقع منها هذا البرود في التعامل مع مشكلة نادية العويصة … عندما احضرت الورقة الصغيرة المطوية بعناية .. فتحتها نعمات وظلت ممسكة بها امام عينيها فترة طويلة حتى خيل للفتاتين انها قد نسيت وجودهما .. اخيرا اطلقت تنهيدة عميقة .. رفعت راسها نظرت اليهما وانهمر سيل الاوامر ..

– نادية .. قومي جهزي شنطة صغيرة ختي فيها هدوم تكفيك اسبوع او عشرة يوم بالكتير حتمشي تقعدي معاي عند ناس امي لغاية ما نشوف حل للورطة الدخلتينا فيها دي .. وانتي يا اميرة جهزي شنطتي وما تنسي الادوية وبعد ما تخلصي نادي لي ابوكي … والكلام الدار جوة الاوضة دي يندفن قبلو … مافي واحدة فيكم تجيب سيرتو ..

لم تتحرك أي منهما وظلتا تنظران اليها بحيرة ..

– اتحركي يا بت انتي وهي سريع .. مالكم ؟؟ عاوزني اترجم ليكم الكلام دة بلغة تانية عشان تفهموه ؟؟ …

في لحظات تحولت الغرفة من حالة الجمود التي سيطرت عليها الى حركة دائبة .

– عاوزة تمشي تقعدي عند اهلك ليه يا نعمات ؟؟ الناقصك هنا شنو ؟؟ لو محتاجة أي حاجة كلميني وانا اوفرها ليك ..كيف يعني تمشي بيت اهلك وانتي بالحالة دي ؟؟ والعلاج بتاعك حتوقفيهو ولا كيف ؟؟ وسايقة معاك نادية لشنو .. البت دي ليها قريب شهر ما مشت جامعتها .. مش مفروض بعد دة تمشي تشوف الفاتها شنو ؟؟

كانت اسئلة حامد تندفع من فمه بانزعاج بعد ان عاوده مرة اخرى احساس الذنب والتقصير تجاه زوجته التي ما ان اظهرت عليها بوادر التحسن حتى عاد هو الى معتزله واكتفى بزيارتها يوميا لفترات قصيرة خصوصا بعد ان احس بعدم رغبتها في الحديث معه وتظاهرها احيانا بالنوم كي تتخلص من وجوده ..

– ما ناقصني شئ يا حامد .. لكن انا زهجانة من الحبسة هنا براي ومحتاجة اغير جو .. قلت امشي ناس امي كم يوم .. ما بقطع العلاج .. انت اتفق معاهو يجيني عند ناس امي في نفس المواعيد .. ونادية سايقاها عشان تخدمني .. انت عارف امي في البيت براها وبقت مرة كبيرة وما بتقدر على الخدمة .. وكان على الجامعة ما مشكلة .. هي غابت دة كلو .. يعني ما جات ليها على اسبوع تقعدو معاي .. وبعدين اميرة بقت في عصمة راجل .. يعني ما بقدر اسوقها كدة ساكت .. وانا بكون مطمنة لمن اخليها وراي عشان تراعي هادية والبيت …

احس حامد بجو غريب يحيط بزوجته لكنه لم يستطع تحديده .. ربما لانها تتفادي النظر اليه مباشرة لقد اعتاد ان يقراها من عينيها الصافيتين اللتين تعكسان كل ما يدور داخلها بشفافية .. تعمدها تجنب نظراته اشعره بانها تخفي شيئا ما لكنه لم يشأ الضغط عليها لمعرفته مراعاة لحالتها الصحية ..

– خلاص يا نعمات .. اذا مشيك هناك حيريحك انا ما عندي مانع … وفي أي لحظة تحتاجي أي شئ او عاوزة ترجعي اتصلي بي ..

حال وصولهم الى بيت جديها .. انعزلت نادية في الغرفة التي خصصت لها مع والدتها .. جلست منكمشة تستمع الى الاصوات المنفعلة الغاضبة تاتيها من الغرفة الاخرى التي اجتمعت فيها امها مع خالها وجدتها حال وصولهم .. وقد ادركت بانها هي موضوع الحديث .. احست بالخوف والوحدة .. فبرغم رد فعل امها الهادئ الى حد ما .. الا ان كل الدلائل تشير الى نوايا اخرى مبيتة .. مرت عليها اللحظات كالدهر وهي متكورة في طرف السرير تتحسس بطنها الذي يحمل ثمرة اللقاء الاخير بينها وبين زوجها .. انتابتها مشاعر متناقضة ما بين الحب لهذا الكائن الصغير الذي اتى على غفلة والخوف من وجوده .. لقد تاكدت من حملها بعد ان غابت دورتها عن مواعيدها المعتادة واصبح الاستيقاظ صباحاً اكثر صعوبة .. عافت نفسها الاكل وحتى اللقيمات الصغيرة التي تزدرها على مضض لا تستقر في معدتها الا لدقائق قليلة تركض بعدها الى الحمام لتلفظها .. كما بات انفها حساسا تجاه الروائح لدرجة مزعجة .. فلم تعد تتحمل حتى عطورها التي كانت تفضلها .. وبرغم ذعرها مما يحدث لها .. الا انها احست بفخر خفي كونها تحمل طفل الرجل الذي تعشقه بجنون …

قفزت من جلستها عندما فتح باب الغرفة فجاة .. ولم تنتبه لدموعها التي اغرقت وجهها حتى سمعت صوت جدتها المؤنب …

– بتبكي ؟؟!! .. بتبكي على شنو يا نادية ؟؟ على الفضيحة العاوزة تفضحينا ليها .. دي عملة تعمليها يا بت ؟؟!! …

قاطعتها نعمات التي دخلت مستندة علي ذراع شقيقها بلهجة محذرة ..

– امي .. احنا مش اتفقنا خلاص ؟؟ مافي داعي للكلام دة .. الحصل حصل .. خلونا في المفيد .. خشوا واقفلوا الباب دة مافي زول يجي يسمعنا ..

– ما تخافي .. انا قفلت باب الشارع بالترباس وحذرت الشغالة ما تفتحوا لاي زول ..

التفتت نعمات الى ابنتها الوجلة وخاطبتها ببرود …

– نادية .. احنا مبدئياً ما عندنا مانع انك تتزوجي الزول دة بصورة رسمية .. لكن في الوقت الحالي قررنا انك لازم تنزلي الفي بطنك ..

خرجت من نادية آهة مكتومة وتراجعت خلفاً وهي تضع يديها على بطنها بصورة حمائية …

– اسمعيني كويس يا بت احنا عاوزين نلم الفضيحة ونستر روحنا ..

– حرام يا امي .. حرام عليكم .. انتو مش خلاص قلتو موافقين على زاهر ؟؟ يعني ما حتكون في فضيحة … لو عملنا العرس هسة وانا لسة في بداية الحمل مافي زول حيعرف حاجة ..
تخلت نعمات عن برودها وانفجر غضبها لدى سماعها اسم زاهر ..

– تحرم عيشتك يا فاجر يا قاهر .. هو انتي بتعرفي الحرام ؟؟ لو كنتي بتعرفي جد كنتي عرفتي انو الفي بطنك دة جنى حرام .. ايوة يا فاهمة يا متعلمة يا بتاعت الجامعة .. ما علموك انو ما بٌني على باطل فهو باطل ؟؟ الشيخ السالتيهو … دة لو صحي سالتي شيخ ما وراك انو البت البكر ما بيصح زواجها الا بوجود ولي امرها وعلمه وموافقته ؟؟ انتي ابوك عايش على وش الدنيا ومشيتي عرستي زي بنات الشوارع … يبقى عرسك باطل .. وعلاقتك بالعواليق بتاعك دة زنا في زنا .. والفي بطنك دة جنى حرام .. فهمتي ولا افهمك زيادة ؟؟ ..

ارتج جسد نادية النحيل بعاصفة من النحيب الهستيري .. وانكمشت في زاوية الغرفة كأنها تحاول ان تنحت جسدها داخل الجدار لتحمي طفلها .. تبادل خالها نظرة متواطئة مع شقيقته ثم تقدم نحوها ببطء .. احتبس صوتها واتسعت عيناها …انحنت لتغطي بطنها بيديها وهي تنتظر الضربات الموجعة التي ستسقط طفلها… لكن لدهشتها الشديدة وضع يده على كتفيها وامسكها برفق وهو يوجه خطواتها نحو السرير .. اجلسها بقربه وخاطبها بصوت هادئ ..

– اسمعي يا نادية .. انتي دخلتينا كلنا في مشكلة كبيرة ولازم نلقى ليها حل .. ابوك لو عرف ابسط حاجة حيعملا انو يطلع مسدسو ويفرغو فيك وفي الزول دة ويدخل السجن .. وممكن اميرة اختك تتطلق بسبب الموضوع دة لانو اهل ابوك ديل ناس صعبين وما بيغفروا الحاجات الزي دي .. عشان كدة احنا حنقعد مع بعض ونتشاور ونشوف نعمل شنو اول حاجة لازم نفكر كيف نقنع ابوك انو يوافق على الزول دة .. وانتي عارفة دي مهمة صعبة شديد وممكن تاخد زمن طويل .. انا مستعد اقيف معاك واساعدك .. لكن على شرط انك تنزلي الطفل لاننا ما عارفين متين حنقنع ابوك والمسالة ممكن تاخد شهور على بال ما نمهد ونتكلم براحة براحة وبالتاكيد في الفترة دي حملك حيظهر … يا نادية احنا طول عمرنا ناس مستورين .. وما حنقدر نوضح لكل الناس انك حملتي من زواج شرعي لانو الناس عليها بالظاهر .. وانتي قدامك العالم كلو لسة بت ما متزوجة … يعني الرشاش حيطالنا كلنا وتاني مافي زول فينا حيقدر يرفع راسو في أي حتة … انتي لسة صغيرة وقدامك العمر كلو عشان تجيبي العيال العاوزاهم .. ويا ستي بكرة لمن تتزوجي زاهر بصورة رسمية اولدي جيش ومافي زول حيكون عندو عندك حاجة .. لكن حاليا الطفل دة لازم ينزل .. اها قلتي شنو ؟؟ موافقة على كلامي دة ؟؟ …

احست نادية بالاطمئنان للهجة خالها الهادئة وكلماته الموزونة المقنعة .. دارت نظراتها وهي ترى اللهفة في العيون التي تنتظر ردها .. فاومات ايجاباً .. وخرجت تنهيدة راحة من جميع الافواه ..

– خلاص دة انتهينا منو .. الشئ التاني زاهر لازم يجي يقابلني ويجيب معاهو الورقة البتثبت زواجكم عشان نتناقش ونشوف حنقدر نعمل شنو وكيف نقنع ابوك … يعني بعد ما نخلص من موضوع العملية وتشدي حيلك .. تتصلي بيهو وتخليهو يجينا هنا .. الكلام دة كويس معاك ؟؟

انفرجت اسارير نادية واحست براحة تغمره جسدها المتوتر فارتمت في احضان خالها الذي احتضنها بيدين متخشبتين وما لبث ان هب واقفا وهو يخاطب امه …

– امي .. انتي شوفي موضوع الداية وخليها تجي بكرة ولا بعدو بالكتير .. واكدي عليها انو الموضوع دة لو طلع برة انا بدفنها حية ..

– ما تخاف .. الداية دي زي اختي .. انا بثق فيها وانتو كلكم اتولدتوا على ايديها .. بطنها غريقة .. وياما حفظت اسرار اسر وحافظت على بيوت من الخراب … انا بمشي ليها بنفسي وبخليها تجي بكرة بعد المغرب .. وزي المواعيد دي حيكون كل شئ انتهى …

احتاجت نادية اسبوع كامل حتى تتعافى من آثار العملية المزدوجة .. كان اكثر ما يؤلمها الجلسات الطويلة في الماء الحار المملح حتى تلتئم جروح عملية الختان التي اجريت لها عنوة وبدون استشارتها .. لقد انتبهت للهمس الدائر بين امها وجدتها والقابلة العجوز .. لكنها لم تعرف فحواه الا عندما استلقت شبه عارية وهي تنظر بدهشة للادوات الت تخرجها القابلة من حقيبتها .. شفرات .. خيوط .. ابر معقوفة .. ومقص .. دفعها خوفها لمحاولة الجلوس .. لكن وجدت نفسها مثبتة بيدي امها وجدتها التي همست في اذنها ..

– اركزي يا بت .. لازم نطهرك عشان القص والخياطة يدسوا اثر العملية ..

تمتمت بذهول ..

– تطهروني ليه ؟؟ .. وندس اثار العملية من منو .. زاهر عارف.. تاني شنو ؟؟

رمقتها نعمات بنظرة غاضبة تشع حقداً وهي تضغط بيدها الضعيفة على كتفها ..

– انتي يا بت عاوزة تجلطيني تاني ؟؟ ولا المرة دي عاوزة تقتليني عديل ؟؟ اقفلي خشمك دة واسكتي ساكت .. احنا عارفين مصلحتك اكتر منك …

الجم الاحساس بالذنب وخوفها من غضب امها لسانها وحركتها وهي تحس بطعنات الابرة تغوص عميقا في لحمها … تفصد العرق غزيراً من جسدها حتى احست بانها تغرق فيه .. وانقذها فقدانها للوعي من أي احساس آخر …

عندما اصبحت قادرة على الوقوف والمشي بدون مساعدة .. حضر اليها خالها مرة اخرى بنظراته المتواطئة ويديه المتخشبتين ..

– اتصلي بالزول دة وخلي يجي يقابلني بكرة بعد صلاة العشا .. واهم شئ يجيب الورقة البتثبت زواجكم معاهو …

احست نادية بفرحة طاغية تجتاحها وتملا الفراغ الذي سكن اعماقها منذ ان وافقت على قتل جنينها سارعت الى الهاتف تحت مراقبة ثلاثة ازواج من العيون الجامدة .. كانت اصابعها ترتجف وهي تطلب الرقم الذي تحفظه عن ظهر قلب ..

– الو .. ممكن اكلم زاهر ؟؟ قول ليهو نادية …

اتاها صوته مليئا باللهفة والقلق ..

– نادية ؟؟!! .. انتي وين ؟؟ انا كنت خلاص قربت اجن .. ليه عملتي فيني كدة ؟؟ مش احنا متفقين انو مهما ساءت الظروف برضو توريني الحاصل شنو ؟؟ يا نادية …

قاطعت سيل كلماته بصوت ناعم ..

– زاهر .. معليش انا لي كم يوم جيت مع امي عند حبوبتي وما لقيت طريقة اتصل بيك امي وخالي وافقوا على زواجنا .. تعال بكرة بعد صلاة العشا عشان تقابل خالي ..

قفز قلبها عندما سمعت شهقته تاتيها حارة وتذكرها بشهقات اخرى حفرها في اذنها واذابها بها .. عندما طال صمته نطقت اسمه بهيام …

– زاهر .. سمعتني ؟؟ قلت ليك …

قاطعها صوته الباكي ..

– سمعتك يا نادية .. سمعتك .. بس ما قادر اصدق البسمعو منك ..

– صدق يا زاهر .. اخيرا ربنا استجاب لدعواتنا وحنبقى مع بعض لغاية آخر يوم في عمرنا بكرة جيب معاك ورقتك ..خالي عاوز يشوفها عشان يتاكد اننا فعلا اتزوجنا .. ما تتاخر .. تعال بعد الصلاة طوالي …
ليلتها لم يغمض لها جفن .. استغرقتها احلام اليقظة التي غذاها شوقها الجارف الى زوجها بنار احرقت جلدها .. كانت تحس بانها تسبح في غمامة ناعمة وصورة مستقبلها مع زاهر تتراقص امام عينيها … تمدد الزمن وتمطت ساعات النهار بكسل يتحدى لهفتها … قضت الوقت وهي تحاول تحسين منظرها المزري .. وعندما نظرت الى المرآة لترى نتيجة جهودها .. صدمتها صورة عظامها الناتئة وملامح وجهها الشاحب الهزيل .. انتابها القلق من ان يراها حبيبها بهذا الشكل .. وذابت مخاوفها عندما التقت عيناهما لحظة دخولها الغرفة ورات الحب والشوق يشعان منهما بوضوح ….بدا انيقاً وسيماً برغم فقدانه الكثير من وزنه .. كان يتقدم نحوها ماداً يده عندما اوقفه صوت خالها الصارم

– اقعد يا زاهر وخلينا نتفاهم ..وينها ورقتك كدة خليني اشوفها …

جلس زاهر بارتباك بينما ظلت عيناه معلقتان بنادية التي خافت من خذلان ساقيها فجلست في اول كرسي صادفها وهي تراقب كل حركة من حركات زاهر الذي اخرج من جيب قميصه مظروف ابيض مطوي بعناية .. فتحه بحرص واخرج منه ورقة صغيرة شبيهة بورقتها التي يمسكها خالها بين يديه فتحها ببطء وناولها لليد الممدودة … كان جميع من في الغرفة يتابعون حركة الرجل الطويل الممتلئ الذي نهض من جلسته المتململة ممسكاً كل ورقة بيد واتجه بخطوات واسعة الى نهاية الصالون الفسيح وقف بالقرب من النافذة التي تحتل مساحة كبيرة من الجدار .. اخرج علبة سجائره وضع اللفافة بين شفتيه واخرج قداحته .. وبهدؤ اشعل النار في الاوراق التي استقرت في يده اليمين ورمى بها داخل مزهرية فارغة بالقرب منه .. صرخت نادية وقفز زاهر على قدميه بينما ارتسمت ابتسامة راحة على شفتي نعمات وامها .. عندما وصل زاهر الى حيث يقف الخال كانت الاوراق قد اصبحت بقايا متفحمة قبض عليها فتفتت في يده وتحولت الى قطع صغيرة تطايرت في كل الاتجاهات وقف زاهر مذهولاً بفم مفتوح وعينان امتلاتا بالدموع .. وخرجت كلماته مختنقة ..

– ليه كدة يا خال ؟؟ ليه حرقت الاوراق ؟؟!! …

اتاه الرد من الجدة الحانقة …

– خال ؟؟ خلال الشوك اليشق حلقك .. خالك بوين ؟؟ والله انت لو ما الزمن صحي بقى كعب ما كان واحد زيك قدر يغش على بتنا الماصلة المفصلة ويعرسها ..

تجمد زاهر في مكانه وبدا عرق غاضب ينتفض في اعلى جبينه .. حاولت نادية التحرك من جلستها لكنها احست بكل عصب في جسدها قد تحول الى هلام لا تملك السيطرة عليه .. خرجت كلمة الاحتجاج الوحيدة من شفتيها بالم ..

– حبوبة ..

التفتت اليها نعمات بغضب متفجر وقد اختفى كل برودها الذي تعاملت به منذ بداية الموضوع ..

– الحب اليخنقك يا فاجر يا ام عينا بيضا .. انتي صدقتي اننا كنا حنخليك تعرسي الجربوع دة ؟؟ والله لو اقطعك وارميك لكلاب الشارع ما اخليك تفضيحنا وتكسري ضهرنا وتبقينا لبانة في لسان اليسوى وما يسوى .. عاوزة تشمتي فيني السرة وتخليها تقول اني فعلا ما عرفت اربي ؟؟ عاوزة تجبري ابوك حامد ود العمدة يخت يده في يد الغرابي ؟؟ !! …

كانت الكلمات تنزل على زاهر كسياط من نار تخترق جلده ويصل المها حتى عظامه .. حاول ان يتماسك من اجل حبيبته التي كانت تنتحب بهستريا .. خرج صوته قوياً رغم الالم .. حاداً رغم الهوان … ثائراً برغم الامتهان …

– اسمعوني كلكم … انتو قايلين روحكم شنو ؟؟!! احسن ناس في الدنيا دي ؟؟ ربنا ما خلق غيركم ؟؟ مافي زول زيكم ؟؟ رافضني ليه ؟؟ بتهينوني بالصورة دي ليه ؟؟ عشان ما لونكم ؟؟ بتعاقبوني عشان شكلي ما بشبهكم ؟؟ عشان قبيلتي ما قبيلتكم ؟؟ بلاهي انتو مسلمين انتو ؟؟ انا الله خلقني كدة وخلقكم كدة … لكن انا ما اقل منكم .. ولا انتو احسن مني .. وما تفتكروا عشان حرقتوا الورق معناها خلاص الموضوع انتهى .. نادية مرتي وبشهادة شهود ..

قاطعه الخال الذي بدت ثورته في حركاته المتوترة ..

– زواجك من نادية كان غلطة وحنصلحها حالاً .. ارمي يمين الطلاق واتفضل برة .. تاني وشك دة ما عاوزين نشوفوا .. وتاكد اني لو عرفت انك حاولت مجرد محاولة انك تتصل بيها حيكون آخر يوم في عمرك ..

– اطلق ؟؟ انا اطلق نادية ؟؟ ما حيحصل ولا حتى في ابعد احلامكم .. نادية مرتي .. وحتفضل مرتي لمن اخش التراب .. ومستعد اعمل أي شئ عشان تبقى معاي .. انا حامشي البوليس وافتح فيكم بلاغ واطالب بيها عن طريق المحكمة … والفضيحة الانتو خايفين منها دي حجيبها ليكم لغاية خشم بابكم .. وعندي الشهود ومستعد اصل لغاية الطبيب الشرعي وانشر قصتنا في الجرايد عشان اثبت انها مرتي ..
نطق كلماته الاخيرة بتحدي جعل نعمات تمتقع .. بينما ادخل الخال يده في جيبه واخرجها بحركة مفاجئة وهي تحمل مسدس صغير لامع .. تراجع زاهر خلفاً وتعالت صرخات نادية الفزعة …

– انت بتهددنا يا كلب ؟؟ بتهدد اسيادك ؟؟!! .. حتطلقها .. حتطلقها ورجلك فوق رقبتك .. لو عاوز تطلع من البيت دة حي حتطلقها .. ارمي اليمين وغور في ستين داهية …

ثبت زاهر في وقفته كالطود وعقد ذراعيه حول صدره وهو ينظر الى نادية المنكمشة في كرسيها بالم وخرج صوته كالفحيح ..

– انت قايل روحك بتخوفني بمسدسك دة ؟؟ انا ما بخاف .. اقتلني لكن ما بطلقها .. اضرب .. لكن طلاق ما بطلق ونادية حتفضل مرتي غصباً عنكم .. وحاعلن زواجي بيها في كل مكان .. حاخلي السودان كلو يعرف انها مرتي … واعلى ما في خيلكم اركبوا …

قفزت نادية من كرسيها برعب وهي تسمع صوت قفل الامان في المسدس يحرر استعدادا لاطلاقه ..

– لا يا زاهر ما تفضحني وتفضح اهلي .. طلقني .. انا عاوزة الطلاق … لو سمحت طلقني وخليني اخلص ..

التفت اليها الجميع بدهشة .. كانت نظرات حبيبها المفجوعة تذبحها .. لكنها لم تهتم .. سوف يكون هناك متسع من الوقت للالم فيما بعد .. ربما العمر كله .. لكنها الان سوف تنقذه مهما كان الثمن الذي يتوجب عليها دفعه ..لن تسمح لهم بقتله .. يكفي انهم قتلوا طفله وقتلوها معه .. احست بدوار قاس يحتكر احساسها ويكاد يفقدها وعيها .. لكنها تماسكت امام سؤال زاهر المذهول ..وقررت ان تلعب على وتره الحساس الذي تدرك بانه لن يسمح لاي كان .. ولا حتى هي بمسه .. وتر كرامته التي يعتز بها كثيراً … سوف تحميه من اهلها بالطريقة الاكثر ايلاما لها .. وله …

– نادية ؟؟ انتي بتقولي طلقني وبتسمي اعلان زواجنا فضيحة ؟؟ مش دة الشئ الكنا عاوزينو انا وانتي من يوم ما عرفنا بعض ؟؟ حصل ليك شنو .. خوفوك ؟؟ ضغطوا عليك عشان تقولي الكلام دة مش كدة ؟؟ لكن انا قلت ليك من زمان ما بطلقك حتى لو انتي طلبتي .. لاني متاكد وواثق من حبك لي زي ما انا واثق من حبي ليك .. عارف انك بتقولي الكلام دة من ورا قلبك ..

انحدرت دموعها حارة على خديها الشاحبين .. اغمضت عينيها بقوة حتى تستجمع شجاعتها … خرجت كلماتها مهتزة .. لكنها واضحة …

– اسمع يا زاهر .. بصراحة انا القلت لاهلي عاوزة الطلاق واتفقت معاهم على كل حاجة

لم تبال بالصوت المجروح الذي خرج منه عنوة .. ولا بنظرات الدهشة التي تبادلها الجميع وواصلت بتصميم ..

– انا في البداية كان عاجبني الموضوع .. الطريقة الحبيتني بيها اشبعت غروري .. ما حانكر اني حبيتك … بس ما لدرجة اني اضحي باهلي عشانك .. ولا بالعريس المتقدم لي لانو ما بتعوض …

كانت دموع زاهر تنزل كماء النار على جروح روحها المعذبة .. توترت انفاسها وهي تجبر الكلمات على الخروج من شفتيها الجافتين …

– تعرف انا اتاكدت اني فعلا ما عاوزة اواصل معاك متين ؟؟ لمن عرفت اني حامل ؟؟

خيم صمت ثقيل على الغرفة .. كانت النظرات الموجهة الى نادية تحمل معاني متباينة … اكثرها تعبيرا تلك التي ارتسمت على وجه زاهر فتقدم نحوها وهو يتمتم ..

– نادية انتي حامل ؟؟ ليه ما كلمتيني ؟؟ دة السبب المخليك تطلبي الطلاق مش كدة ؟؟ مفتكرة اني ما اوفيت بوعدي ليك ؟؟ والله يا نادية ما اتعمدت اعمل كدة .. الشئ دة حصل غصبا عني لمن اميرة …
قاطعت تقدمه برفع يد مرتعشة في وجهه .. وكلمات لا تقل عنها ارتعاشاً …

– كنت حامل يا زاهر .. كنت .. انا عملت عملية ونزلت الجنين .. ما عاوزة حاجة تربطني بيك .. الحمل فوقني من الوهم الكنت عايشة فيهو .. وهم انو الحب ممكن يخليني اتغاضى عن الفروقات البيني وبينك .. انا ما بقدر اعيش حياتك يا زاهر .. وانت ما حتقدر تعيشني في المستوى الانا اتعودت عليهو .. عشان كدة لو سمحت طلقني .. اذا انت فعلا بتحبني زي ما بتقول وعاوز سعادتي … يبقى طلقني …. طلقني يا زاهر ما عاوزاك .. طلقني ..

وقفت جامدة وهي تدعو بحرارة في سرها ان تكون قد اجادت التمثيل واقنعت حبيبها برفضها له .. باستطاعتها ان تتحمل بعده وفراقه .. لكنها لا تستطيع ابدا ان تتحمل موته … بسببها .. وبيد خالها..
تعمق الصمت اكثر بعد كلماتها الباكية ولم يقطعه سوى انفاس زاهر العالية المضطربة .. ظل ينظر اليها لفترة طويلة وهو يامل بان تخبره بانها لا تعني ما تقول .. وانهم يجبرونها على قول هذه الكلمات السامة .. كان على استعداد للموت من اجلها .. لكنها تحاشت النظر اليه بالتحديق في كفيها المتقاطعتين بقوة ابيضت لها مفاصلها … واقنعه صمتها المصمم بجدية طلبها … رفع راسه بكبرياء تصلبت ملامحه وخرج الهواء حاراً من انفه … نظر الى الجميع باحتقار وكراهية .. ثم نطق كلماته

– نادية … انتي طلقانة … طلقانة .. طلقانة …

اعتصم بما تبقى له من قوة وانسحب خارجاً دون ان يلقي نظرة الى الوراء … تراخت اليد التي تحمل المسدس … ارتسمت ابتسامات راحة على وجه نعمات وامها … وانهارت نادية ارضا ما ان تاكدت من نجاة حبيبها وهي تبكي بحرقة تتخللها صرخات حادة ..

– انا بكرهك يا امي … بكرهكم كلكم .. وما حسامحكم على العملتو فيني لمن اموت …

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.