مرات الشارع العام (ستيريو صدى كُميت)..

28 ديسمبر 2021آخر تحديث : الثلاثاء 4 يناير 2022 - 8:54 صباحًا
أبو جود
د. عوض الله محمد عوض اللهرأي
مرات الشارع العام (ستيريو صدى كُميت)..
د. عوض الله محمد عوض الله
د. عوض الله محمد عوض الله

ذلك كان عنواني البريدي في ذلك الأوان من عام 1982، عندما جئت للسعودية مدرساً في وزارة المعرف ـ وكان هذا اسم وزارة التربية والتعليم السعودية حتى وقت قريب ـ،

و(مَرَاتْ) مدينة ضاربة في القدم اكبت ظهور الإسلام، ففيها أثر الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه، وهي البئر التي أمر بحفرها إبَّان مروره بها والإقامة فيها، فضلاً عن حاضرها المشرق وقد تشرفت مدينة مرات بإقامة المؤسس الراحل الملك عبدا لعزيز – طيب الله ثراه – أكثر من مرة ومر بها أبناؤه الملك سعود والملك فيصل وعدٌد من الأمراء ـ خلال أسفارهم من الرياض إلى الحجاز وبالعكس قديماً ـ كما يقول الكاتب السعودي حمود الضويحي.

مدينة (مرات) تقع غرب العاصمة السعودية الرياض، وتبعد عنها حوالي 150كم على طريق الحجاز القديم.. وتحتضن جبل (كميت) المشهور الذي ذاع صيته بشهرة المثل القائل (اضمن لي كميت.. أضمن لك مرات) وهي بلد امرئ القيس التميمي الشاعر المشهور، هذه المدينة الحالمة الوادعة تتبوأ اليوم مكانة كبيرة وتعيش نهضة عمرانية وصناعية وتجارية

جبل كميت ستيريو صدى كيت عنواني البريدي كيف ولماذا؟

كان هذا الأستيريو للأستاذ / عبد الرحمن إبراهيم بن عبد الله الدايل، الشاب السخي الوفي، ابن الأسرة العريقة (الدايل) في مدينة (مرات). وكان مدير المدرسة الابتدائية التي عملتُ فيها معلماً لسنة واحدة، وكانت اتصالاتنا في ذلك الزمان عن طريق البريد، ولما كانت الهجرة التي نعمل بها صغيرة (ثمانية بيوت) ولا توجد بها أي خدمات فقد كان عنوا الأستاذ عبد الرحمن وهو: مرات/ الشارع العام / ستيريو صدى كميت. الأستاذ/ عبد الرحمن الدايل ومنه للأستاذ.. كان عنوناً لي ولزميلي إسماعيل الشيخ إدريس.

المدرسة التي اختيرت لي من إدارة تعليم الرياض، في هجرة (قرية لإقامة البادية) اسمها الغزيز. ومعي زميلي إسماعيل شيخ إدريس، وهو من قرية (حلة عباس) التي لا تبعد عن قريتنا (أزرق) إلا ببضعة كيلومترات، وهي مشهورة بانتقال وعيشة الفنان بادي محمد الطيب رحمه الله من التكينة إليها، وكان إسماعيل يحمل بكالوريوس مع مرتبة الشرف في الفيزياء من جامعة الخرطوم..

ارتبط اسم الغزيز بمائها العذب فها هو الاحنف بن قيس من أعظم التابعين ومن زعماء تميم الذين حولهم الاسلام إلى عظماء ‏الرجال، اشتهر بحسن الاخلاق والحلم حتى ضرب به المثل فقيل: أحلم من ‏الأحنف.

الشاهد أنَّ الاحنف قد نشأ بدوياً يرعى الإبل في ديار قومه، وكانت آبار الغزيز من ‏أشهر مواردهم، والغزيز هو مورد للماء قرب جبال طويق، غرب الرياض. وقد ‏هاجر (الأحنف) مع قومه الى الكوفة كما طلب منهم عمر بن الخطاب ليتحضروا ويكونوا ‏جيوشاً للإسلام، وعاش بقية عمره في الكوفة. لكن يا ترى هل نسي صاحبنا مراتع ‏الطفولة في نجد؟ يقول المؤرخون: قيل للأحنف لما احتضر-: ما تشتهي؟ قال: شربة من ‏ماء الغُزيز!! … وكان موته بالكُوْفَة، وعنده ماء الفرات!

ولازال المورد معروفاً بهذا ومن الصدف، أن أحد الآبار العذبة كان مفتاح الدينمو الذي يحصل السكان ـ وهم بضع أسر ـ كان مفتاح الدينمو في الغرفة التي استجرناها أنا والأستاذ إسماعيل من (حمود آل دليم) أخو الأمير، وكان رجلاً شهما أعاننا كثيراً ونحن في تلك الهجرة، كما كان يفعل بقية السكان مثل مدعث بن حمود، عليه رحمة الله الذي كان يذبح لنا الحملان ونتعشى أنا وإسماعيل معه وعياله، وذات مرة صاح بأعلى صوته: عوض!!! فقلتُ: نعم. فقال: وهو يشير إلى لحم الطلي أمامنا: هذا ضب!! فقلت له: نحن ما بنأكل الضب. فأجابني: هذا طلي.. بس ما أبغى حد يعرف ذلك.. رحم الله مدعث بن حمود السهلي.. ولقد زرته برفقة العزيز فهد بن مبارك السهلي، الذي كان سكرتيراً في قسم المذيعين بإذاعة الرياض وهو في مرضه موته بمستشفى قوى الأمن بالرياض.

ذكاء الاسم:

اختار الأستاذ عبد الرحمن اسما تاريخياً للستيريو الذي كان يمتلكه، وكان عبد الرحمن ذا عقلية تجارية، وكان الأستريو يبيع اشرطة التسجيلات المختلفة، وأشرطة الكاسيت الكبيرة والصغيرة، والاسم ذكي بلا شك ويعكس هوية (مرات) وصلتها بجبل كميت التي ضرب بها مثلٌ شعبيٌ شهير يقول: “اضمن لي كميت، وأضمنْ لك مرات”. وهذا يدل على تقارب وتجاور ضلع كميت ببلدة مرات حيث تقع ملتصقة به جهة الجنوب ومن وصله فلا بد قد وصلها، والمهم أن يتحقق أن ما يراه الناظر هو ضلع كميت بالفعل وليس غيره. فأراد (إبن دايل) كما كنا نناديه.. أن يقول بهذا المسمّى: كما أنّ لتلك الألحان صداها في النفوس، فإن صدى كميت رمزية أخرى لصدى ألحان هي أكثر عمقاً وتاريخاً وضماناً للبهجة.

ذكريات مع ابن دايل:

كان عبد الرحمن رحمة لي ولإسماعيل، فمعه كنا نستأنس، ونحضر إلى الرياض للعشاء في شارع العصارات، ولأول مرة نأكل المطبق الذي كان يبرع فيه اليمانيون، وهو يتكون من البيض المقلي بالزيت مع الخضار والطماطم.. كما كان يزوره في (الغزيز) صديق عمره (زيد الزيد) وأبناء عمومته من آل (ال الدايل).

ولا أنسى أننا كنا نذهب معه إلى الصحراء (ليضبِّب) أي يصطاد الضب من أجحاره بإدخال خرطوش بلاستيك ويطلقون عليه (الليْ) في جحر الضب فيكاد يختنق من الدخان، وغالباً ما يكون الصيد وفيراً، فيفرح عبد الرحمن ومن ثم ننطلق إلى (مرات) حيث يطبخ ما اصطاد ويستمتع وأهله بوجبة شهية، كما كنا أنا وإسماعيل نصحبه إلى سوق المعدات الموسيقية والأشرطة في (الحلة) بالرياض، جوار سوق اللحوم الحالي.. ومن الصدف أنني نقلت في العام التالي إلى مدرسة القادسية الابتدائية التي لا يفصلها عن ذلك المكان إلا متوسطة المسعودي ومستوصف المرقب.

لا يزال عبد الرحمن في مرات جوار كميت، ولكن لم يعد (للأستيريو) وجود.. مع تغيرات الأيام.. وبقي عبد الرحمن رمزاً للوفاء، ولا يزال تواصلنا مستمراً حتى الساعة، ربي يرعاه ويبارك في أيامه.

بنستخدم ملفات الكوكيز عشان نسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني وعشان نقدر نكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا.
ظابط