بصات شهيرة في بعض قرى شمال غرب الجزيرة

أبو جود
2021-09-30T16:01:00+02:00
د. عوض الله محمد عوض اللهرأي
30 سبتمبر 2021آخر تحديث : الخميس 30 سبتمبر 2021 - 4:01 مساءً
بصات شهيرة في بعض قرى شمال غرب الجزيرة
د. عوض الله محمد عوض الله
د. عوض الله محمد عوض الله

الحياة في منطقة شمال غرب الجزيرة ـ الأقصى ـ القريبة من العاصمة الخرطوم، ذات ارتباط عميق بالخرطوم.. فهي العاصمة وفيها ـ على أبسط مثال ـ دواوين الحكومة والمستشفيات والمصانع وسوق الخضار الأكبر في السودان.

ولمّا كانت المنطقة زراعية ـ فقد صار ارتباطها بإنتاج القطن كمحصول نقدي أول للسودان كله، ثم تأتي زراعة بعض الخضر والفاكهة، التي تجد لها سوقا في الخرطوم، بل حتى بقايا الحصاد من قصب الذرةن كان بجد سوقاً رائجة في الخرطوم. ولذلك كانت الحركة يومية بين الخرطوم وقرى المنطقة، حتى إن البعض من أبناء المنطقة فضلوا السكن في قراهم على تأجير مسكن في الخرطوم، حيث كانت المواصلات متوفرة بين القرى والخرطوم.

في كل صباح تصدح (بواري البصات) التي ستنطلق إلى العاصمة.. وفي أغلب القرى بصات خاصة بالذهاب إلى الخرطوم، ولها مواقف أو محطات تعارف عليها السواقون والسكان ، وهي ما غالباً ما تكون وسط القرية أو عند مداخلها ومخارجها، وهناك مَنْ يخرج إلى المحطة مبكراً ليضمن مقعداً مريحاً.. وهناك من يحرِّكه (البوري) الذي يتفنن بعض السائقين في العزف عليه بما يشكل نداءات جميلة جذابة مطربة، كان لها صدى في نفوسنا نحن الصغار وننسج عليها كلمات كما كان يفعل طلبة مدرسة كاب الجداد فيرددون مع البوري (ياحاجّة المقوت أمُرْقي.. يا حاجة المقوت أمُرقي) وكانت حاجة المقوت امرأة وقورة وأماً محترمة ساكنة هادئة تبيع اللقيمات للطلبة، وكان الأولاد في القرى يُرددّون مع البوري (كبي الجاز حليمة.. كبي الجاز حليمة).. في التكينة كانت الأغنية التي يرددها الأطفال مع البوري (حليمة ما تبكب من رحول ألتي.. حليمة ما تبكي من رحول ألتي)..

في أزرق كانت بصات الخرطوم ـ وهذا اسمها للتمييز بينها وبين (بص البحر) الذي كان يذهب للتكينة.. وقد أثر الارتباطي الأسري بين السكان في تخصيص بصات للتكينة تمر بمكتب كاب الجداد وتوير وبركات والنابتي غرب وودلميد وعديد البشاقرة ومنها إلى التكينة مروراً بالشوبلي وود القلاب.. وفي كل قرية محطة وركاب مغادرون وآخرون راكبون.

بصات أزرق :

في أزرق كانت البصات كلها لعوض الكريم ود إلياس وأخيه لأمه فضل الله منصور.. وكانت أغنية بنات أزرق الشهيرة ” بص فضل الله بالعديد ادّللى.. ضرب مزيقة ولا الطيب عبد الله.”. وكان أهلنا يقولون: أنا طالع الضهرة للمسافر لأزرق وأنا نازل أو مُدللي البحر للذاهب للتكينة الراقدة على النيل الأزرق. وكانت تلك البصات تذهب إلى الخرطوم مروراً بالتكينة غير أن ذلك انتهى الآن بعد شارع الأسفلت الموصل إلى (ألتي) التي سحبت البساط من تحت موقف بصات التكينة بالنسبة إلى قرى الضهرة.. ولم تعد بصات فضل الله وعوض الكريم أو بص عبد الجليل أو بص عمنا محمد جادين رحمه الله.. أو بص عبد الوهاب ود بوبي وهما من عديد البشاقرة موجودة الآن.. كما تغير كل شيء في هذا الزمان.

بصات السريحة :

وكانت للسريحة بصاتها وسواقون مشهورون كالعشا أحمد الغابة، وعلي دامشيق وبشير ود المأذون ويلقب ( بخور جلا).. كما هناك كان بص الحاج ود خوجلي الذي ارتبط الأذهان بشقيقه عبد المنعم الذي كان كمساريّه وبص حاج إبراهيمة أوركال.. رحم الله الجميع..

بصات كاب الجداد والمحريبات :

في كاب الجداد (البلد).. يقول الأستاذ مزمل إسحق الخاتم وهو ابن القرية وخريج مدرسة كاب الجداد الثانوية العامة في عهدها الذهبي ـ قبل أن يدمرها الإهمال واللامبالاة والعجز والكسل وربما الحقد والحسد والعياذ بالله ـ : كانت هناك خمسة بصات في السبعينيات بكاب الجداد: هي بصات عمنا البدري، وإبراهيم أبو جنزير وحسن حنين.. رحمه الله. ويضيف : كانت في المحريبا 3 بصات أذكر منها بص (ممد أبوسن).. وفي أم مرحي بصات (أولاد نور الجليل) بالإضافة إلى بصات (طابت والمحريبا ومعيجنة) كانت أكثر من 12 بصّاً تمر بكنار كاب الجداد، فكان هناك بص على رأس كل ساعة.. وضيف الأستاذ مدثر الخاتم : صاحب تلك البصات اسمه (ود الكمال).

الأستاذ عباس عطا المنان من أبناء المحريبا الفكي عمر يفصل أكثر فيقول: بص بيضاء روينا أم مرحي كان يسوقه الجيلي مساعد، ومن أصحاب البصات حاج إبراهيم عباس وسواقه (يوسف كولا) من أهالي المحريبا الفكي عمر وكذلك الطيب العبيد بدر وسواق بصِّه هو العبيد عباس. ويقول: حاج علي وبخيت ود النمير هما مالكا بصات المحريبا الشوتلاب.. ويقول الأستاذ عباس عطا المنان: المحريبا دكين ما كان فيها بص.

ويضيف: حتى سنة 1968م كان سفرنا إلى الخرطوم عن طريق الكنار، على بصّات طابت والمحيريبا ـ قبل وجود بصات خاصة بقـُرانا.

اللعوتة والهبيكة :

أهل اللعوتة الُحجاج أهل مال وعلم، فقد كانت لهم اللواري والدقاقات منذ القدم.. كما كانت لهم محبة العلم والدرس والتحصيل.. يقول الأستاذ عبد المنعم الجعلي وهو رجل محب للبحث العلمي ومن أبناء اللعوتة الحجاج : كانت في اللعوتة 3 بصات إثنان منها لجدنا مصطفى مضوي ومكتوب عليه (بص لبن) وهذه الجملة كما يقول : من مقتضيات الترخيص، إذ يُحَتَّم على المُلاك كتابة ذلك طالما أن بالبص كنبتين طوليتين من الخشب العاري ـ بدون مراتب ـ وتترك المسافة في منتصف البص، لترحيل المنتجات والسلع المختلفة بصحبة الركاب من ألبات ومحاصيل وفاكهة وزيوت وتمور والأعلاف (الأمُباز) لمتاجر القرية.. وكان يقود هذا البص (العم مصباح) رحمه الله. أمّا البص الآخر (والكلام لأستاذ عبد المنعم) بصا حديثاً به كرسي وثيرة على غرار البصات السفرية المعروفة في السودان. وكان سائقه عبد الرحمن أو (السيد) مصطفى وكان كمساريه أبو اليسر بخيت أحمد ـ ابن أخت السائق ـ أمّا بص اللعوتة الثالث، فكان يمتلكه مضوي إبراهيم (الحكيم) وقد عمل مساعداً كطبياً في السريجة في السبعينيات وأذكر أنه كانت له عربة خاصة زرقاء اللون.

البصات ناقلة للثقافة

لم تكن تلك البصات ناقلة للبشر فقط.. فقد كانت ناقلة للثقافة أيضاً، فمن الخرطوم ترد إلى قرانا ـ يومياً ـ الصحف الصادرة في الخرطوم، وتصل المجلات الثقافية والرياضية ـ على حسب أذواق الناس وميولهم الثقافية ـ كما نقلت البصات ما يدخل القرية من أدوات حياتية مختلفة من ما يشتريه أهلنا من أسواق الخرطوم التي كانت تعج بالسلع المتهودة السعر.. كما كانت البصات نقلة في مجال التغذية والوجبات (وتغيير الفطرة) كما كانت تقول والدة حبيينا أنور التكينة رحمها الله.. فقد كانت تقول : أبسط فايدة لزيارة الخرطوم هي تغيير الفطرة أو (وجبة الإفطار اليومية).. ولعلني أذكر هنا مقاله مولانا شيخ عوض أحمد أرباب لشقيقنا معاوية ـ رحمهما الله ـ بعدما أجابه عن غيابه عنه لمدة بأنه كان في الخرطوم فقل له مولانا: لعلك أكلتَ شئياً من الفاكهة.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

بنستخدم ملفات الكوكيز عشان نسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني وعشان نقدر نكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا.
ظابط