ماني الموسوس

أبو جود
2021-01-28T11:08:46+02:00
إبراهيم الصافيرأي
28 يناير 2021آخر تحديث : الخميس 28 يناير 2021 - 11:08 صباحًا
إبراهيم الصافي
إبراهيم الصافي

هذه شذرات من غضّ الأدب ورقيق الشعر وشفيفه سبق أن أرسلتها إلى شاعرنا الرقيق وأستاذنا الكبير الأمين بلة الأمين، وأستأذنه لإيداعها هنا كما هي لإشراككم في متعة مثل هذا السحر، (الخطاب كان موجهًا لأستاذ أمين):

تخفيفًا لمشقة العمل، وإرهاق الجلوس الطويلة، ورفعًا لعنت الضغط المتواصل؛ هذه سياحة خفيفة للاسترواح، لعلك تجد فيها قليلاً من التسلية حقًّا، وربما واتتك سابقًا في زمن خلو النفس من الهمِّ بملاحقة (بُلغةِ) العيش..

إنها (جلسة أنس) مع (ماني الموسوس) أوردها أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب في مؤلفه: (عقلاء المجانين)، لا يخامرني شك في أنك سبق أن اطَّلعت عليها؛ لكن لا بأس من إعادتها إليك لاجترار الزمن الجميل، ولاستدعاء سنوات العطاء الأدبي الرقيق الذي كان ينساب مثل دموع عاشقة على خدِّها الأسيل،

سنوات رعشات القلب وخفقانه في نضرة الشباب، وحلاوة أيام الجامعة، ووداعة علاقاتها، وضجيج (بركسها) حين كان اقتصاد السودان يواصل جريانه متدفقًا كعنفوان (شلال جبل مرة)، وحين كانت الحياة هيِّنة ليِّنة سهلة لم تدخل (متاهة) تعقيدات الساسة وطموحاتهم، ولم يخالطها (لُعاب) المتنافسين على كراسي السلطة في هذا الزمن الأغبر.

قال الصولي:

كتب ابنُ طاهر إلى جاريةٍ له فقال:

ماذا تقولين فيمن شفَّه سَقَمٌ ..

من جَهْدِ حبِّك حتى صار حيرانَا

فأجابته:

إذا رأينا مُحِبًّا قد أضرَّ به …

جهدُ الصبابةِ أوليناهُ إحسانَا

حدثنا أبوبكر الأنباري، قال: حدثنا أبي قال: عزم محمد بن عبيدالله بن طاهر يومًا على الصبوح، وعنده الحسن بن محمد بن طالوت،

فقال له محمد: نحتاج اليوم إلى ثالث نأنس به، فمن ترى أن يكون؟ فقال: أعزَّ الله الأمير، قد خطر ببالي رجلٌ ليس علينا في منادمته مؤونة، خفيف الوطأة إذا أحببت، سريع الوثبة إذا أمرت،

قال: من هو؟

قال: ماني الموسوس،

قال ما عدوت ما في نفسي.

فخرج صاحب الشرطة لإحضاره، فأُتيَ به وأُدخل الحمام، وأُلبِسَ ثيابًا ثم أُدخل عليه، فأمره بالجلوس ودعا (بنُّوسة) جارية محمد المهدي، فغنَّت:

ولستُ بناسٍ إذا غَدَوا فتحمَّلـوا
دموعي على الخدَّين من شدَّة الوجدِ

وقولي وقد زالتْ بعيني حُمولهــــم
بَواكِـرَ تُحدَى: لا يكن آخــر العهـــدِ!

فقال ماني: أتاذن لي يا سيدي؟

قال: في أي شيء يا ماني؟

قال: في استحسان ما أسمع،

قال: قد أذنتُ لك، فقل ما أحببت،

فقال لبنوسة: أحسنتِ، فبحق الأمير إلا زدتِّ هذين البيتين:

فكيف أناجي الفكر والدمعُ حائرٌ
بمقلةِ موقوفٍ على الضُّرِ والجهدِ

ولـم يُعْدنـي هـذا الأميـر بعدلـه
على ظالمٍ قد لجَّ في الهجر والصدِّ

فقال الأمير: أحسنتَ والله، أفعاشق أنت؟ فاستحيا، فقال: لا يا سيدي، ولكن حرك الطرب شوقًا كامنًا فظهر، وهل بعد المشيب من صبوة؟! ثم غنَّت بنوسة بشعر أبي العتاهية:

حجـبـــوهــــــا عـــن الريــــاح
لأني قلت للريح بلِّغيها السلاما

لو رضــوا بالحجاب هان،ولكن
منعوها يوم الريـاح الكلاما

فقال ماني: ما على قائل هذا الشعر لو زاد فيه:

فتنــفــَّستُ ثم قلتُ لطيف
آهٍ إن زرتَ طيفَـها إلماما

حَيِّــــها بالســلام ســــرًّا
وإلا منعوها لِشقْوتي أن تناما

ثم غنت بنوسة بشعر أبي نواس:

يا خليليَّ ســـاعة لا تريما
وعلى ذي صبابـة فأقيمــا

ما مررنا بقصر زينب إلا
فضحَ الدمعُ سرِّيَ المكتوما

فقال ماني: والله لولا رهبة الأمير لأضفتُ إلى هذين بيتين آخرين لا يردان على سمع ذي لبٍّ فيصدر إلا عن استحسان منه لهما،
فقال محمد: الرغبة في حُسن ما تأتي به يا ماني حائلةٌ بينك وبين كل رهبة، فقل ما بدا لك.

فقال:

ظبية كالهلال لو تلحَظُ الصخـ
ــــــر بطرفٍ لغادرته هشيما

وإذا تبسَّــمتْ خلتَ ما يبــــــ
ـــدو من الثغر لؤلؤا منظوما

فقال محمد: أحسنت، فأجز هذين البيتين:

لم تطبِ اللذاتُ إلا بما دارت به ألفاظُ بنوسة

غنَّتْ غناءً مُظْهرًا عبرةً كانت بحبس الصبر محبوسة

فقال ماني:

وكيف صبرُ النفسِ عن غدةٍ
تظلمُها إن قلتَ طاووسة

وجُرتَ إن شـبَّهتَهـــا بانــــــةً
في جنَّة الفردوس مغروسـة

وغيرُ عـــدلٍ إن عدَلْنــا بهــا
لؤلؤةً في البحر مغموســـــة

فقال له محمد: أعدل في الوصف، فقال ماني:

جلَّت عن النَّعتِ فما فكرةٌ
تُدركها بالنعتِ محسوسة

Safi - على الطريق الإلكترونية
المصدرصفحة الكاتب في فيسبوك
رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.