حسن مكي: المشروع الإسلامي في السودان انتحر ذاتيا

2019-11-06T07:02:31+02:00
2019-11-06T07:22:45+02:00
قضايا وحوارات
6 نوفمبر 2019آخر تحديث : منذ 8 أشهر
حسن مكي: المشروع الإسلامي في السودان انتحر ذاتيا

قال المفكر الإسلامي والأكاديمي السوداني البروفيسور حسن مكي، إن مشروع الإسلام السياسي في السودان “انتحر ذاتيا”، لكن صوت المشروع الإسلامي يصعد في العالم الغربي والمنطقة الإفريقية والعربية، مشيرا إلى حاجة العالم إلى “التدين والروحانية”. ورأى أن الموجة الإسلامية قادمة في العالم “لأن العالم يتهيأ للتغيير” وليس بالضرورة أن تعبر عنه واجهة حركة الإخوان المسلمين، لأن “الإسلام يبحث عن نفسه” دون بوتقة محددة.

ورأى مكي في مقابلة خاصة مع “عربي21” أن الحركة الاسلامية في السودان “انتحرت ذاتيا” عندما انخرط رائدها الدكتور حسن الترابي في حالة روحية وعقلية وضعته في مكانة “المهدي”، وسقط مشروعها عندما حاول الرئيس البشير المعزول محاكاة الترابي، موضحا أن فصل السياسي عن الدعوي بدأ مبكرا في السودان بعد الانقلاب العسكري في حزيران (يونيو) 1989م حين أبعد المفكرون والتنويريون في الحركة الاسلامية من اتخاذ القرار في السلطة.

وأوضح أن الراحل الترابي ـ زعيم الحركة الإسلامية في السودان ـ أبعد المفكرين وأصحاب القدرات في التنوير لأنه كان يريد الطاعة العمياء، وأصبح “أمير مؤمنين والبقية مؤمنون”، وأنه يتحمل مسؤولية إسقاط المشروع الإسلامي لأنه من رواده في السلطة خلال الفترة من 1990م وحتى العام 1997م وهي الفترة التي شهدت أسوأ أوضاع للحريات، “ولم يستطع أن يقود ثورة ثقافية وسط الشباب كما فعل في المصالحة الوطنية مع الرئيس الراحل جعفر النميري 1977م، حينما قاد الترابي ثورة المرأة وأصبحت المرأة السودانية كبيرة حراس الحركة الإسلامية”، ولكن منذ وصول الحركة الإسلامية إلى السلطة بقيادة الترابي 1990 ـ 1997م أصبحت البندقية والأمن هي حارسة المشروع، ولذلك برز آلاف المقاتلين ولكن لم يبرز عشرات المتنورين في المشروع لذلك تآكلت مقومات النمو العقلي والفكري وأسس التقدم في المشروع الإسلامي.

وفي تفسيره للنهاية المأساوية للإسلام السياسي الذي مثلته الحركة الإسلامية السودانية، قال مكي: “جاءت الطامة الكبرى بسيطرة المنظومة العسكرية برئاسة البشير، وسقط المشروع قبل أن يسقط عندما انسدت أفقه وبدأ البشير يبحث عن مخلصين من خارج المشروع بدلا من أن يفتح الباب للحريات ويجدد المشروع من الداخل وإجراء الانتخابات العامة النزيهة، ولكنه (البشير) لجأ إلى أساليب الترابي في كسب الانتخابات والتمكين للمجموعات الطفيلية اقتصاديا وسياسيا وإعلاميا ثم نحر المشروع في أبريل (نيسان) وآذار (مارس) حينما قطع رأس حزب المؤتمر الوطني بحل الحكومة، بيد أن الواقع ـ حسب مكي ـ فإن تصفية الدولة العميقة للإسلاميين تمت تصفيتها في مرحلتين، الأولى في صراع البشير ـ الترابي والتي أطاحت بكافة الذين يؤيدون الترابي في السلطة، والمرحلة الثانية عندما قام البشير بالانتحار الذاتي وصفى حزبه “المؤتمر الوطني” من مؤسسات الدولة.

وأوضح أن الحركة الإسلامية السودانية تواجه ضعفا بنيويا، وإعجابا بالرائد حسن الترابي الذي جاءته حالة “مهدوية” لذلك أخذ ينظر إلى علاقة الناس به علاقة مرشد بقصَر، وأن مهمة “القصَر” انتهت وأن عليهم أن يكونوا بيادق في لعبة الشطرنج، ولكن في النهاية انقلب “السحر على الساحر”.

ورأى مكي أن الحركة لم تكن مؤسسية ونحرت نفسها، وهي في حاجة للقيادة الجماعية كما حدث بعد انقلاب المراقب العام للإخوان المسلمين الرشيد الطاهر عام 1959م، وهي طريقة للاستجاب السريعة لكن حينما سقط الترابي لم يجدوا بديلا له غير البشير، ولكنه لم يكن ندا للترابي فالتفت حوله الطفيلية.

وأضاف مكي: أن تعتمد الحركة الإسلامية المؤسسية وأن تكون القيادة “جماعية” و”متبادلة” بحيث يمكن أن يؤسس لها حزب المؤتمر الشعبي الذي أسسه الترابي بعد صراعه مع البشير، إلى جانب بقايا حزب المؤتمر الوطني وحركة الإصلاح الآن، بيد أن الأهم هم التيار الذي يضم الإسلاميين في الرصيف.

وقال مكي: إنه لا توجد دولة عميقة في السودان، وإنما مجتمع عميق، يحاول تجديد نفسه، بينما الحركة الإسلامية تصحو الآن في إطار السلفية المنكفئة على ذاتها، وهي ليست السلفية التي قام عليها المشروع الإسلامي في خيوطه التاريخية، وهي من وجوه الاستجابة للتغيير ولكنها ستفشل بسهولة.

وتوقع بروز بدائل للإسلاميين الجالسين على الرصيف في غضون ثلاثة أشهر، ويشير إلى أنهم مكون مؤثر ومهم في “المجتمع العميق”، ويبحثون عن البديل ويتطلعون إلى القيادة، خصوصا وأن الأجواء مهيأة لذلك وأن الحكومة الانتقالية الحالية “مجهولة الهوية”.

واعتبر مكي أن الحكومة الحالية عاجزة عن مواجهة المشكلات الحياتية للمجتمع، لأنها ليست على “قلب رجل واحد” وأنها تضم ثلاث مكونات، أبرزهها القادمون من خارج السودان بأفكار ما بعد الحداثة مثل اتفاقية القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو” أو مثل “المثلية الجنسية” التي لم تنبت في الدول الغربية إلا بعد صراع شديد وحركة تنوير كبيرة، بل حتى دولة مثل مصر لم تقبل الأفكار المستحدثة إلا بعد حملة تنوير كبيرة قادها مفكرون من أمثال طه حسين وهدى شعرواي وحزب الوفد وقاسم أمين ولكن مع ذلك لم تسيطر الأفكار الغربية على مصر بالكامل.

وأضاف مكي: ” قادة الحكومة الانتقالية في السودان جاؤوا بهذا الأفكار دون تنوير في البيئة الاجتماعية باستثناء تجربة محمود محمط طه وباستثناء أي انجاز اجتماعي، فالحكومة التي تتجه إلى هذه الأفكار تتناسى أن الشعب يتجه للأسوأ من ناحية معيشية، حيث الجوع والفقر والجهل هو الأساس، ولم يقدم هؤلاء أي إنجاز في هذا الخصوص حتى الآن، بينما يتحدثون عن أفكار لمجتمعات مترفة”، موضحا بأن “المجتمع العميق” سوف يرفض هذه الأفكار، وقد بدأ فعليا في مواجهتها الآن.

وتابع مكي: “إذا فشلت حكومة الخرطوم في خفض الأسعار وتنظيم الأسواق والمواصلات وإدارة الدولة، فإنها ستفشل في تطبيقة أفكار ما بعد الحداثة، وإن اتجاهها لتصفية الموظفين في الدولة لاعتبارات أنهم إسلاميين من بقايا الدولة العميقة المتوهمة فإن من شأن ذلك توسيع دائرة العداء ضد الحكومة الانتقالية دون أن تصيب هدفها بإقصاء الإسلاميين، الذين تمت تصفيتهم مرتين، في مرحلة الترابي وفي مرحلة البشير الذي أقال ألف شخص في يوم واحد عندما حل الحكومة في أيامه الأخيرة بالسلطة.

وحول خفوت تأثير الحركات الإسلامية بشكلها التقليدي في العالم بعد تجاربها في كثير من الدول ومن بينها السودان، قال مكي: “إن حركة التيار الإسلامي ظلت قضية متجذرة في العالم الإسلامي منذ جمال الدين الافغاني ومحمد عبده، وهما من قياداة تيارات ما يسمى بالسلفية الإسلامية التي هي النقيض المعاكس للسلفية الحالية، لأن سلفية الامام محمد عبده كانت تبحث عن العقل والتجديد في الفكر الإسلامي، وتلمست ذلك في الفلسفة الإسلامية وبالابتعاد عن الصفصفة والجدل الطائفي على عكس السلفية المعاصرة التي مثلت انكفاء للذين اكتفوا بالنص وحتى القراءة الظاهرية أو الحرفية الذين جعلوا الإنسان تاريخا يمتد من أحمد بن حنبل وانتهاء بمحمد عبد الوهاب، وهو خيط ضعيف جدا في التاريخ الإسلامي، بينما في التاريخ والثقافة الإسلامية هناك خيوط معقدة ومتشابكة مثل هذا الخيط الذي يمثله أبو حامد الغزالي الذي ينظر إليه البعض رغم تجديده وقدراته العلمية والعقلية المذهلة، ولكنه مسؤول جزئيا عن الانحطاط الذي ألم بالعقل الإسلامي لأنه اهتم بالأطروحات ورفض العقل في بحثه عن اليقين وحتى في كتابه (إحياء علوم الدين) حيث تكلم عن الجوع والعطش وعطل السببي، ورأى أن العطش والجوع يؤدي للنور الداخلي بينما العطش والجوع من أمراض التخلف والعصر، وهو يعتبر أب لدائرة كبيرة وأساسا لكساد وركود العقل الإسلامي.

لكن مكي ينظر إلى العالم الآن من زاوية أخرى، حيث يرى مدارس إسلامية متعددة مثل الجماعة الإسلامية التي تآكلت داخليا لأنها انعزلت عن الحراك السياسي وبناءها الموجود نفسه في مرحلة من المراحل كانت ضد مشروع باكستان وكانت مع مشروع غاندي ثم أصبحت ضد مشروع الحداثة الغربية ولكن هذه المدرسة انكفأت على نفسها الآن رغم أن قائدها لديه قدرات كبيرة عقلية وجدلية وخطابية ولكن مشروعه السياسي ضد أيوب خان وساند العلمانية فاطمة علي بن أحمد لأنه كان يؤمن بالديمقراطية ضد الديكتاتورية، والجماعة الإسلامية لم تحرز شيئا وبرزت الجماعات السلفية وجماعات العلماء.

ورأى أن الحديث عن خفوت الصوت الإسلامي، بخفوت صوت الحركة الإسلامية غير دقيق، مشيرا إلى أن صوت الإسلاميين في تونس لم يخفت؛ بل في تونس وهي أقرب منطقة تماس مع العقل الغربي والعلمانية سقط المشروع العلماني ولم يحز حزب نداء تونس غير مقعد واحد وعاقبته الجماهير التونسية لأنه وقف ضد الشريعة الإسلامية وتبني أفكار ما بعد الحداثة.

أما على صعيد الإسلام السياسي في الإقليم، يقول مكي: “إن الوضع الإقليمي فيه تجاذبات، فالإسلام بوجوهه المختلفة يواجه بإشكالات، ففي تركيا فإن الرئيس رجب طيب أردوغان يواجه بالعلمانية، وفي مصر فإن الحركة الإسلامية مختنقة وموجودة في السجون، وفي تونس موجودة في الشارع ولكن المسرح غير معروف المعالم، وفي أفغانسان الحركة الاسلامية بوجها السلفي القديم (طالبان) تنتصر على المشروع الأمريكي وتعود بعد أن انتصرت على المشروع السوفييتي، وحتى في الصومال فإن حركة الشباب بوجهها السلفي هي التي تسيطر على الأوضاع، بينما في أثيوبيا فإن أقوى صراع الآن بين أبي أحمد الذي يمثل روح حركة التصحيح والإصلاح في الأرومو وبين جوهر محمد وكلاهما يستند على عمق إسلامي، ولكن الواضح أن جوهر أقوى لأن لديه مشروع الوسائط الإعلامية ولأنه الذي حرك الثورة أصلا.

ويخلص مكي إلى أن العالم كله يتهيأ للتغيير ولكنه ينتظر الانطلاقة، ورأى أن هذه الانطلاقة ستكون في الاتجاه الإسلامي، لأن الإسلام هو أكثر الأديان  انتشارا في أمريكا، وكذلك في بريطانيا هنالك الحزب الإسلامي والجماعات الإسلامية، بينما الراديكالية في العالم جزء منها اختراقات مخابراتية وجزء منه حماسة إسلامية قادمة من أمريكا والغرب.

واعتبر مكي أن الإسلام ليس بالضرورة أن يأتي بوجه الإخوان المسلمين أو الحركات الإسلامية المعروفة الآن، لأن الإسلام هو الذي يبحث عن نفسه ودون بوتقة محددة أو وجه محدد، بل هو البحث عن الروحانية الجديدة التي يحتاجها العالم الآن.

وأشار إلى أن ما يحدث الآن مؤشر لبروز الاتجاه الإسلامي في العالم، فعندما خرج كتاب سلمان رشدي (آيات شيطانية) كان البعض يرى فيه ضربة كبيرة للإسلام، ولكنها تحولت إلى مقدمة لموجة إسلامية ثالثة، والآن هنالك عودة للتدين وسط الشباب في العالم، وردة عقلية سوف تنتج مراكز وحركات إسلامية تشمل البعد السياسي.

الخرطوم ـ عربي21 ـ خالد سعد

المصدرعربي 21
رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.